
"في فصل حكايات سينمائية التي يكتبها السينمائي والكاتب العراقي قاسم حول عن فيلم اليازرلي الذي عرض على هامش مهرجان أبو ظبي – 2010 رأينا من المناسب نشر فصل من المذكرات يتعلق بحكاية فيلم اليازرلي الذي أنتجته مؤسسة السينما السورية عن قصة حنا مينا المعنوبة بـ على الأكياس"
جاء في مذكرات قاسم حول:
.... وكنا نبحث عن مأوى، عن سكن في بيروت. لا أحد يقبلنا .. لا أحد يستقبلنا حتى تعرفت على غسان كنفاني وعرف أني مسرحي وكاتب من العراق فطلب مني أن أكتب عن مسرحية "أوكازيون" لعصام محفوظ وكانت تقدم في مسرح في مسرح عين المريسة. وبعد أن كتبت عن المسرحية قال لي غسان كنفاني ولماذا لا تعمل معنا في مجلة الهدف. تعال وأعمل في الصفحة الثقافية وأكتب لنا عن المسرح والسينما.
كنت يومها أنام على ساحل البحر على المصطبات وفي الصباح أذهب إلى شقة لمجموعة من العراقيين وآطلب منهم المفتاح عندما يذهبون إلى عملهم وأنام بضعة ساعات في شقتهم وأستحم ثم أعيد إليهم المفتاح ظهراَ. أذهب إليهم مشياَ من منطقة الروشة إلى شارع كورنيش المزرعة في بناية تقيم فيها منظمة التحرير الفلسطينية.
عملت في مجلة الهدف. بدأت أكتب وأعدت إسمي إلى الصحافة من خلال الصحافة اللبنانية الأكثر إنتشاراَ.
قدمت مسرحية في مخيم النهر البارد عنوانها "طفل بلا عنوان" كتبها جمعة اللامي وعملت مناظرها منى السعودي. وذات يوم جاءتني مكالمة من "الصديق" المخرج قيس الزبيدي الذي يقيم في دمشق وهو خريج إلمانيا الديمقراطية – الشيوعية، يقول لي عندنا موضوع نريدك أن تسهم في كتابته فأرجو أن تتوجه إلى الشام حيث سيلتقيك الصديق عبد الحميد مرعي مدير عام مؤسسة السينما السورية. طلبت الموافقة من رئيس تحرير مجلة الهدف "غسان كنفاني" ليمنحني إجازة بعد أن أعددت له صفحة الثقافة المسرحية والسينمائية لعددين. وذهبت إلى دمشق وإلتقيت مدير مؤسسة السينما السورية عبد الحميد مرعي بحضور "الصديق" قيس الزبيدي. قال لي السيد حميد مرعي.
نعرف أنك صاحب مخليلة جميلة. عندنا قصة قصيرة للكاتب الكبير حنا مينا تقع في 18 صفحة من مجلة أدبية سنعطيك القصة لتقرأها وتحولها إلى قصة سينمائية طويلة لأن كاتبها حنا مينا يقول كتبتها هكذا ولا أستطيع أن أحولها إلى رواية طويلة ولو كنت أريد ذلك لكتبتها منذ البداية رواية وليس قصة قصيرة .. شوفوا غيري يكتبها وأعطوني المجلة كي أقرأ القصة وأضاف مدير المؤسسة عبد الحميد مرعي قائلا" لم نجد سينمائي يكتب القصة سواك، وأضاف، ولكن تعترضنا مشكلة وهي أننا نواجه حملة إتهام باطلة بأنني، يقصد نفسه، متهم بالتعاون مع الشيوعيين في بلد قومي الإتجاه. حنا مينا محسوب على اليسار وكذا قيس الزبيدي وأنت كذلك، فلو ظهر الفيلم وعليه ثلاثة أسماء مؤلف القصة ومخرج الفيلم وكاتب القصة السينمائية فستتأكد الإنهامات بأنني حولت مؤسسة السينما السورية إلى وكر للشيوعيين. نريد منك أن تكتب القصة السينمائية ولكن لا نذكر إسمك على الشاشة وتتقاضى نصف المبلغ المقرر حييث تتقاسم مبلغ السيناريو مع قيس الزبيدي. وافقت على هذا العرض وطلبت منه سكنا لمدة إسبوعين مع وجبتي طعام ووجبة ليلية تتمثل بربعية عرق ومزة بسيطة وصحن فلافل.
بدأ برنامجي هكذا. يأتيني قيس الزبيدي بربعية عرق مع مازة وصحن فلافل في الساعة السابعة مساء ويتركني أكتب، وبالفعل فبمدة أقل من أسبوعين أنجزت ما يقرب من مائة صفحة كتابة يد في دفتر مدرسي. وأعطيت القصة "للصديق" قيس الزبيدي الذي أعجبته الكتابة وطبعت وأعطيت لعبد الحميد مرعي الذي قرأها وأعجبته كثيرا وبدوره أعطاها إلى حنا مينا وإلتقيت حنا مينا وكان خارجا من مؤسسة السينما السورية وسألته عن رأيه فقال لي لقد وافقت على النص وأني مندهش كيف تمكنت من تحويل قصتي القصيرة إلى رواية سينمائية طويلة وأنت تحافظ على هيكل القصة وشخصياتها بهذه الدقة.
إحتفظت أنا بالسر حفاظا على موقف رجل السينما البارع عبد الحميد مرعي وحفاظا على مشاعره. وبعد أن أقر السيناريو وقبل البدء بالتصوير وبعد أن عدت إلى مجلة الهدف حيث أعمل في بيروت جاءتني مكالمة من "الصديق" قيس الزبيدي لبخبرني أنه آت إلى بيروت ويحمل معه مبلغا من المال قيمة كتابتي للقصة السينمائية مناصفة في مجمل مبلغ كتابة القصة السينمائية والسيناريو الذي كتبه قيس الزبيدي.
إتفقنا على موعد في مقهى "الهورس شو" في شارع الحمراء ببيروت. وكان الوقت مساء. وجاء "الصديق" قيس الزبيدي يحمل معه المبلغ بضعة مئات من الليرات السورية التي حولها إلى ليرات لبنانية ما يقرب من ثلثمائة ليرة لبنانية وكان مبلغا دسماَ بالنسبة لي ذلك الحين. وقال لي هذا هو المبلغ المرسل إليك من مؤسسة السينما السورية. تطلعت إليه وقلت له نصا: " أخي قيس. أنا أعمل في مجلة الهدف وأتقاضى مبلغا يسد رمقي وأنت عاطل عن العمل في سوريا. أنت أحوج مني للمبلغ. أطلب منك أن تشتري لي هدية رمزية صغيرة أعتبرها أجور كتابتي للقصة وتحتفظ بالمبلغ إليك. غادر مقهى الهورس شو وعاد بعد وقت قصير حيث قدم لي قلم حبر جاف بني اللون أشتراه من مكتبة قريبة جدا من مقهى الهورس شو. فقلت له هذه أجمل هدية سأحتفظ بها للذكرى كأول أجر تقاضيته عن كتابة قصة سينمائية.
تم إنتاج فيلم "على الأكياس" الذي أصبح إسمه "اليازرلي نسبة لبطل القصة" وقد حذفت بعض المشاهد الجميلة التي كتبتها ومنها مشهد اليازرلي وهو يتحدث ثملا إلى صديقه عن مغامراته الجنسية وبعد أن يثمل يعترف لصديقه أنه لم يمر بأية تجربة مع أمرأة في حياته. كنت أتمنى أن ينفذ هذا المشهد لكي ينسجم مع المشهد الأخير للفيلم لكن المخرج حذف المشهد. هناك الكثير من المشاهد غير الموجودة في القصة أتذكر منها مشهد الصور الفوتوغرافية مع شكل طائرة وضعها المصور الفوتوغرافي أمام كاميرته ليصور فيها الأطفال وكأنهم داخل طائرة. وهو مشهد له جمالية في الفيلم وكذلك له قيمة درامية. هذا المشهد وغيره من المشاهد هي من مخيلتي في ليالي ربعية العرق والفلافل في ليالي دمشقية! وليست مذكورة في قصة على الأكياس التي يمكن مقارنتها بأحداث الفيلم وهي قصة جميلة لكاتب كبير ولكن كل المشاهد التي هي ليست موجودة في القصة القصيرة هي من مخيلتي في القصة السينمائية.
كان ذلك عام 1971 لا أتذكر في أي شهر على وجه التحديد.
ترك عبد الحميد مرعي مؤسسة السينما السورية وزالت الأسباب للإعلان عن إسمي ككاتب للقصة السينمائية المقتبسة عن قصة على الأكياس لحنا مينا.
أثار إنتباهي عرض الفيلم في مهرجان أبو ظبي السينمائي على هامش المهرجان وقيس أينما ذهب يحمل معه هذا الفيلم الروائي الذي لم يخرج إي فيلم روائي طويل بعده!
كنت أتمنى من هذا "الصديق" قيس الزبيدي أن يتعامل مع الحقيقة ومع المودة ومع الألفة العراقية بنفس مشاعري لكنه لم يشر يوما لا في مقابلاته الصحفية ولا في الندوات التي تعقب عرض الفيلم ولا في الكتب التي يؤلفها أو يتحدث فيها عن نفسه وتجاربه أن يشر يوما ولو مرة واحدة إلى جهودي الإبداعية والثقافية وهو حق مشروع تعاملت أنا معه بمنتهى نكرات الذات والود والتنازل المالي حتى في اصعب الظروف معتقدا أن الحياة هكذا ولا أزال. وكان ينبغي بمقتضى شرف المهنة وبعد أن زالت الأسباب أن يدون إسمي على الشاشة بعد أن زالت مبررات عدم كتابته.
إن تثبيت هذا الحق والإعتراف به لا ينقص من قدر المخرج بل يرتقي به من الدونية الأنانية إلى العلو الجميل ويعطي أهمية لفيلمه أن يحمل الفيلم أسماء تثري أسمه ولا تنقصه.
عرفت ذلك الآن لماذا يمد مسئولي العراق يدهم إلى ممتلكات الآخرين ويسرقون من خزائن الوطن فالمثل واحد صغر أو كبر . الأمانة واحدة في أصغر حالتها وفي أكبرها.
لا توجد حقيقة ضائعة .. تذكر أخي وصديقي قيس هذه الحكاية من الميثولوجيا الأغريقية. "يحكى أن شخصين أنفردوا في صديق لهم في غابة وقتلوه ثم دفنوه وعادوا أدراجهم. وبقيت الجريمة غامضة والحقيقة غائبة والناس لا تعرف كيف وأين أختفى المغدور به. لكن أبناء القرية كانوا يشاهدون النوارس تحوم حول المكان الذي دفن فيه الضحية. وأستغرب أبناء القرية من المشهد اليومي للنوارس وهي تحول حول مكان الجريمة ما دعاهم ذلك لكي يحفروا في المكان الذي تحوم حوله النوارس فأكتشفوا جثة المغدور به وأكتشف بعد ذلك القتلة. كانت النوارس هي الشاهد الوحيد الذي كشف الجريمة .. دلالة الحكاية الأسطورية الإغريفية هو أن الحقيقة ستكتشف يوما مهما علاها غبار الزمن.
http://aljeeran.net/today_s_articles/18988.html* قاسم حول
سينمائي وكاتب عراقي