ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" .......... جمعة اللامي
عالياً، أصوات المنشدين
كلَّما أحْكَمُوا بأرْضكَ فَخَّاً
مِنْ فخَاخ الدَّهاءِ، خابوا
(حافظ، في رثاء: “سعد”)
هذه الملايين السبعون، ثم الملايين الخمسة الأخرى المضافة من ابناء شعب مصر، تجد في الحراك الثقافي ضمن حدود الجمهورية، وفي خارجها أيضاً، تعبيراً عن آمالها واشواقها، وهويتها أيضاً.
لا تمرّ ساعة في يومنا ذي الساعات الأربع والعشرين، إلا وفيها نشاط ثقافي، أو مشهد تشكيلي، أو عرض مسرحي، أو آهة حرَّى، أو صيحة مكبوتة، أو صرخة صامتة، بمسجد السيدة، أو عند مشهد الحسين، أو في خلوة من خلوات العارفين.
والنيل شاهد على هذا الحراك.
ولقد وجد المثقفون والشعراء والفنانون العرب، في هذا المشهد المصري، الذي لا يستطيع أحد ايقاف تدفعه، وهل أحد قادر على ردم النيل؟ فضاءهم المرحَّل من اقطارهم العربية، إلى مصر ومنتدياتها ونواديها ومقاهيها وحاراتها، ومدنها العشوائية أيضاً.
في الأمسية الشعرية الأولى، في الذكرى الخامسة والسبعين لحافظ وشوقي، وقف الشاعر اللبناني جوزيف حرب، منشداً همومنا جميعاً: كان صوتاً عربياً بامتياز، حيث ترادف، الشعور الوطني اللبناني بالهموم العربية جمعاء، بمفهوم انساني نبيل لحرية جميع سكان هذا الكوكب.
وهو هنا، كما كان جوزيف حرب شاعراً باللهجة المحلية المحكية رديف الجمال أيضاً. وكذلك كان حيدر محمود، الذي من الاردن، والآخرون من العرب المشاركون في هذه المناسبة المصرية العربية.
غير أن صوت الشعراء المصريين كان متميزاً في قوته، ومتميزاً في انتمائه، ومتميزاً في عروبته.
هؤلاء يقولون ما يقولون، بحرية ومسؤولية والتزام بين يدي وزراء الحكومة، وأمام أنظار الناس العاديين، في حي “الزمالك” الشهير، حيث يوجد مبنى اتحاد الكتاب المصريين أو في “كرمة ابن هاني” القصر التاريخي للشاعر أحمد شوقي، الذي تحول الى متحف. في هذه الاماكن، ارتقى الشعراء والباحثون بأشواق العرب إلى فضاءاتها العالمية الرحبة.
أما في “ساقية عبدالمنعم الصاوي”، على النيل، فإن الشعر، والمسرح، والتشكيل، تجذب شباباً يصفقون للشعراء الذين لا يداجون، ويطالبون المجوّد بأن يجوّد أكثر، وهم يرددون مع شوقي وحافظ، الدعوة إلى التغيير، بل والتغيير الجذري.
في مقهى يتبع “المجلس الأعلى للثقافة” بدار الأوبرا المصرية، استمعت الى شاب مصري يقول لعدد من الضيوف العرب: “لا أقبل بأن يزوِّر أحدهم صوتي، أو يتطاول على هويتي، أو يسرق أموال الناس”.
وكان ذلك كله يجري في مشهد مكشوف، في الهواء الطلق وعلى مرأى ومسمع ممن جاء يرى ويسمع لغاية في نفس غير يعقوب.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
من روضة "أم هاشم" .......... جمعة اللامي
عالياً، أصوات المنشدين
كلَّما أحْكَمُوا بأرْضكَ فَخَّاً
مِنْ فخَاخ الدَّهاءِ، خابوا
(حافظ، في رثاء: “سعد”)
هذه الملايين السبعون، ثم الملايين الخمسة الأخرى المضافة من ابناء شعب مصر، تجد في الحراك الثقافي ضمن حدود الجمهورية، وفي خارجها أيضاً، تعبيراً عن آمالها واشواقها، وهويتها أيضاً.
لا تمرّ ساعة في يومنا ذي الساعات الأربع والعشرين، إلا وفيها نشاط ثقافي، أو مشهد تشكيلي، أو عرض مسرحي، أو آهة حرَّى، أو صيحة مكبوتة، أو صرخة صامتة، بمسجد السيدة، أو عند مشهد الحسين، أو في خلوة من خلوات العارفين.
والنيل شاهد على هذا الحراك.
ولقد وجد المثقفون والشعراء والفنانون العرب، في هذا المشهد المصري، الذي لا يستطيع أحد ايقاف تدفعه، وهل أحد قادر على ردم النيل؟ فضاءهم المرحَّل من اقطارهم العربية، إلى مصر ومنتدياتها ونواديها ومقاهيها وحاراتها، ومدنها العشوائية أيضاً.
في الأمسية الشعرية الأولى، في الذكرى الخامسة والسبعين لحافظ وشوقي، وقف الشاعر اللبناني جوزيف حرب، منشداً همومنا جميعاً: كان صوتاً عربياً بامتياز، حيث ترادف، الشعور الوطني اللبناني بالهموم العربية جمعاء، بمفهوم انساني نبيل لحرية جميع سكان هذا الكوكب.
وهو هنا، كما كان جوزيف حرب شاعراً باللهجة المحلية المحكية رديف الجمال أيضاً. وكذلك كان حيدر محمود، الذي من الاردن، والآخرون من العرب المشاركون في هذه المناسبة المصرية العربية.
غير أن صوت الشعراء المصريين كان متميزاً في قوته، ومتميزاً في انتمائه، ومتميزاً في عروبته.
هؤلاء يقولون ما يقولون، بحرية ومسؤولية والتزام بين يدي وزراء الحكومة، وأمام أنظار الناس العاديين، في حي “الزمالك” الشهير، حيث يوجد مبنى اتحاد الكتاب المصريين أو في “كرمة ابن هاني” القصر التاريخي للشاعر أحمد شوقي، الذي تحول الى متحف. في هذه الاماكن، ارتقى الشعراء والباحثون بأشواق العرب إلى فضاءاتها العالمية الرحبة.
أما في “ساقية عبدالمنعم الصاوي”، على النيل، فإن الشعر، والمسرح، والتشكيل، تجذب شباباً يصفقون للشعراء الذين لا يداجون، ويطالبون المجوّد بأن يجوّد أكثر، وهم يرددون مع شوقي وحافظ، الدعوة إلى التغيير، بل والتغيير الجذري.
في مقهى يتبع “المجلس الأعلى للثقافة” بدار الأوبرا المصرية، استمعت الى شاب مصري يقول لعدد من الضيوف العرب: “لا أقبل بأن يزوِّر أحدهم صوتي، أو يتطاول على هويتي، أو يسرق أموال الناس”.
وكان ذلك كله يجري في مشهد مكشوف، في الهواء الطلق وعلى مرأى ومسمع ممن جاء يرى ويسمع لغاية في نفس غير يعقوب.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" ........ جمعة اللامي
عصفور المقطّم
“أقيم الدليل على روح العدل، إذا وفيتُ كل
إنسان حقه، وقمت بما يجب له من توقير وثناء”
(حافظ إبراهيم - “الأعمال النثرية”)
من على كورنيش جبل المقطم، أطلْتُ النظر الى القاهرة، فرأيت منظراً عجباً، وسمعت ذلك الصوت الذي أخذ بألبابي بين مسجد فاطمة الزهراء، ومسجد رابعة العدوية، بمدينة نصر: عندليب يرتّل بعد أذان صلاة الصبح.
كان الوقت عصراً، لكنه كان عصراً غير وعر.
قالت السيدة التي دعتني مشكورة، على فنجان قهوة على هذا الجبل الذي ارتبط بأهل القاهرة، وبشعب مصر عموماً: في كل مرة أزور هذا الجبل، تأتي اليّ فكرة جديدة.
قلت: الجبال أوتاد الأرض.
قالت رفيقتي، وهي أديبة كاتبة: أرى في الجبال عصافير مغردة، لا ينبغي أن تسكن في أقفاص.
قلت: تقصدين أن الطيور لا ينبغي أن توضع في أقفاص؟
قالت: ولو من ذهب!
أعجبتني الفكرة، فأخرجت دفتري الصغير الذي كتبت على جلدته الثانية: “دفتر زيارة القاهرة، ابتدأت يوم الجمعة 16-11-2007”.
لاحظت السيدة: “فكرة جيدة، هذا الدفتر”.
كنت أسجل في حينها: “الإنسان قمم في قمة، مثل العصفور تماماً”. ثم التفت الى محدثتي: “هذه فكرة صارت تقليداً في حياتي، تعلمتها من انطون تشيكوف”.
صدح صوت العصفور من بعيد.
قالت السيدة: إنه يدعونا الى مبادرة ما، هذا العصفور. اقترحت على السيدة أن نغادر كورنيش الجبل، ونلجأ الى فضاء آخر.
وما هي إلا دقائق، حتى دخلنا في ظلال مقهى، تنبعث من إحدى جنباته نغمات موسيقا، يتواكب معها بين الحين والآخر صوت بلبل، كأنه يستغيث.
لمحت دمعتين في عينيّ مرافقتي.
قالت: “كيف نسجن القصائد الجميلة؟”.
وانطلق صوت العصفور من جديد، من دون أن أراه. كان يقيم حيث نقيم، وسط عتمة في هذا المكان الذي يوحي بالهدوء والطمأنينة.
وعاد الصوت الى أسماعنا مرة أخرى، وكأنه يستغيث فعلاً. فنهضت من مقعدي، وقلت لرفيقتي: تعالي نبحث عنه.
ولم نجد عناءً كبيراً في كشف موقعه.
قلت للسيدة: مولاتي، افتحي باب القفص!
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" .......................... جمعة اللامي
سُلْطانُ وأدباءُ مصر
وللأوْطان في دَمِ كل حُر
يَدٌ سَلَفَتْ وَديْنٌ مُسْتَحق
(شوقي)
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.
كان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاضراً بمبنى اتحاد كتاب مصر، بشارع حسن صبري، بزمالك القاهرة، عندما كان المؤذن يرفع الأذان لصلاة العشاء.
سألني سموه: جمعة، أين أنت؟
قلت: بمبنى اتحاد كتاب مصر، بالقاهرة.
ثم كان ما كان.
وها أنا أرويه موجزاً في كلماته أحياناً، تلميحاً في أحيان أخرى، تاركاً للزملاء في مصر، القول والفعل.
حدث ما حدث، بتوفيق من الله. فقد حضرت للسلام على رئيس اتحاد كتاب مصر، الأديب محمد سلماوي وزملائه، بمناسبة وجودي بالقاهرة، بتنسيق مع الصديق القاص إبراهيم اصلان.
وحين كنت أعرض للزميل سلماوي وعدد من زملائه تجربة العمل الثقافي بالشارقة، وبدولة الإمارات العربية المتحدة، رفع جرس هاتفي النقال، وكان على الخط الآخر من “قصر البديع” بالشارقة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.
استأذنت الزميل سلماوي، وأركان اتحاد كتاب مصر، بالانفراد في غرفة أخرى، واستمعت إلى صوت شيخنا وأخينا وزميلنا، يحدثني عن بعض شؤونه التي سبقت انعقاد أيام الثقافة الجزائرية بالشارقة.
كنت أنصت كثيراً، وأعلق قليلاً.
ثم قال: أدباء مصر وكتابها في قلبي. أنا أعرف هموم هؤلاء المبدعين. جمعة، أرجوك بلغ الأخ سلماوي وإخوانه، أن الشارقة قررت أن تتكفل بالضمان الصحي لكل أديب مصري يتعرض لمرض.
كان سموه، يحدثني بهموم أخرى، من بينها العراق الذي يعيش معه، منذ ما قبل الاحتلال، وهذا ما سوف أشهره على الملأ ذات يوم بعون الله. ولكل حديث أوانه، والمجالس أمانات.
وهكذا بحثت عن الأخ سلماوي، فقيل لي إنه يحضر حفل تكريم عدد من الأديبات والأدباء، أعضاء اتحاد كتاب مصر، لمناسبة يوم الكاتب المصري، الذي اقترحه نجيب محفوظ، في ذروة احتفالات مصر بذكرى أحمد شوقي وحافظ إبراهيم.
كتبت بضعة سطور، بما كلفني به صاحب السمو. وأودعتها يد الأخ محمد سلماوي، الذي أعلن بدوره: “أيتها الزميلات، أيها الزملاء، هذه بشرى لنا جميعاً من الشارقة، فقد تكفل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، بالضمان الصحي لكل أديب مصري، يتعرض لمرض”.
ثم دعاني إلى المنصة.
ضجت القاعة بالثناء على سلطان الأدب والمروءة والخلق العربي الأصيل، بينما كنت أغالب تأثري العميق، من مبادرة سلطان الأدب والعلم والثقافة، وكلمات العرفان من أدباء مصر لابن مصر والعرب، في يوم الكاتب المصري.
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" ............... جمعة اللامي
مجنونك الأخير
“كأني والهوى أخوا مُدامٍ
لنا عهدٌ بها، ولنا اصطحابُ”
(شوقي)
كأني كنت قبل “شوقي”، وقبل “قيس”، وقبل أول طلوع للشمس على أرضنا، وقبل أن يشرق نور النور على ذاته، رددت قول “شوقي”:
ليتني كنتُ رداءً
لكِ، أو كنتِ ردائي
وليتني، سيدتي، ومُنى روحي، ودنياي. يا مبعثي بعد مماتي، كنت نقطة “باء” زينب، وسكون “يائها” ودورة الأفلاك في “نونها”.
وليتني.
لكنني الآن، على مسافة نبضة قلب معنّى من صمتها الناطق، ووحدتها الآسرة، وعزلتها الفاتنة، وحزنها الأبيد، أحمل قلبي على راحتي، وأهتف صامتاً:
زينب.
قد نافسني في هواك العُشاق المهابيل، وتبارى معي لنيل رضاك، ملوك المخابيل، فلم أحفل، ولم ألن، ولم أعر سمعاً لكواسر المجرات، وصراخ المسوخ، وتقدمت إليك، إلى حيث انت، عند باب الأنوار، بجوار الكرسي، عند خشبتي الراعفة، وقلبي يعلو صراخه: زينب، أنا مجنونك الأخير.
أهو حلم، أم سحر حَرْفَى “كُن”؟
ثم كنتُ، زينب، سيدتي، الرضيع الذي شاخ في مهده، و”الحاء” و”الباء” قبل أن ينطق بهما جنّي، أو إنسي، وأنا يلفني قماطي، عندما ألقت بي مدبرة المنزل عند سور المدرسة، فدُرْتُ مع “النون”، لتدور معي الأكوان، هاتفة: زينب.
ويوم ألقوا بي في القيد،
يوم حفوا حاجبي، وألبسوني تلك الأردية الحمر،
يوم أراد الجلاد تعصيب قلبي،
يوم وقف الملقن بين عيني فعل “كُن”،
يوم بعث من في القبور،
يوم نادى المنادي: من عاشق غيري في مُلكي؟
خلت أني المنادي والمنادى
ها أنا، دورة الحب في محبسك،
أنا محبسك،
وأنتِ، أنتِ، وكفى
وكفى بي عاشقاً،
أو نائحاً،
وحسبي أن أكون، زينب، إذ أقف الآن، بين “الزاي” و”الياء” أو بين “النون” و”الباء” مجنونك الأخير.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" ................. جمعة اللامي
آخر الأنهار
“ما حطّموك، وإنما بك حُطّموا
من ذا يحطّمُ رَفْرَفَ الجوْزاءِ؟”
(شوقي، في رثاء “حافظ”)
كانت شمس مصر في كبد السماء.
بل قُل، يا صاحبي، كان ضريحه، لحظة شاهدته، شمس كل الدنى، وقمر كل سماء.
السلام على جمال.
السلام على أبي خالد.
السلام على النقيّ، الشهيد، الفقيد، حارس أبواب مصر، وأمل الفقراء والمقهورين.
السلام على هذه النفس الزكية، والسيرة غير المنسية.
السلام على جبهة هبة النيل، كنز الوفاء، وسراج قنديل القناديل.
السلام على عبدالناصر.
أأدخل، أبا خالد، في ضريح المنشية الآن، أم أنني دخلت قلوب أحرار الدنيا، يوم عرفتك؟
أشهد - عبدالناصر - أنك صنت العهد، وحفظت الود، وأديت الأمانة.
وأشهد، أنّا يتامى بعد رحيلك.
وأشهد أنك النيل، وبورسعيد، والأوراس، ونداء النفساء في العراق.. وأنك النيل الأخير، وآخر الأنهار.
وأشهد، أنت الجنوب.
وأنت، أشهد أمام الله، أنك المقاومة.
وأشهد أنت الصائح في بيروت، والصارخ في بغداد، والمنادي في القدس: هيهات منا الذلة.
يا شمس العرب غير الغاربة.
يا ضمير الشمال، والشرق، والغرب، والجنوب.
يا ترياق القلوب.
أشهد أنك المشهدُ والشاهدُ، والنقطة المتجددة عند خطوط راحات أكفّنا، وأنك دليل الجنود التائهين في صحارى العرب.
نحبك - عبدالناصر - ولا نُوَثنكْ.
ونحيي ذكراك - أبا خالد - ولا نُصَنمكْ.
وها أنا عند مثواك، أراك بعين الفقراء الى الله، وأشاهدك بقلوب الغالبين، علماً على راية لا غالب إلا الله، مصحوبة بنصر من الله وفتح قريب.
السلام على فجر المقاومة في كل صوب.
والسلام علينا وعلى شهدائنا الأحياء.
السلام على ضجيع المنشية.
السلام على الأمل.
السلام على عبدالناصر.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" ............ جمعة اللامي
مصر التي في القلوب
“النهار له عينان”
(مثل شعبي مصري)
من مطار دبي الدولي، داخل الطائرة المصرية، يوم الجمعة الماضي عصراً، أدركت انني في مشهد مصري غير منته: كل كلمة، كل لفتة، كل سمراء، كل ظرافة أو طرفة، كل شاب يحمل حقيبة، كل فقير، وكل قط سمين، .. و.. و.
.. وكل قلب مُحب يتذكرك يا مصر.
قال جاري الشاب: “يا عم، لا شكر على واجب. أنت في بيتك، كلنا أولادك”.
كان الشاب المصري قد رفع حقيبة يدوية صغيرة، فيها بعض اشيائي الصغيرة جداً، والخفيفة جداً، أربعة مجلدات تعينني على اختيار مقدمات “ذاكرة المستقبل”، كتاب بول ايلوار “قصائد حب”، كتاب همنجواي “عيد متنقل”، وكتاب عن “سيرة بورخيس”.
كذلك أوراق خاصة بالطوارئ: أدوية، وتعليمات في حال ارتفاع نسبة السكر في الدم، او ارتفاع ضغط الدم، وعقاقير لكليتين اقتربتا من التلف، وخريطة طريق في كيفية التعامل مع العمى المفاجئ.
من أجل هذا اصطحبت سيرة بورخيس: الأعمى المدهش. سيكون لبورخيس حديث آخر في يوم قابل إن شاء الله.
قال جاري الشاب: “قلوبنا مع العِراء”.
إذن، فضحتني لهجة تنفسي.
أضاف الشاب مواسياً: “نفسي أزور العِراءْ”.
“ليش؟”.
أجاب الشاب: “خير بيتي من لحم كتافكم”.
غصت في مقعدي، وحسبت ان الشاب يحدثني عن بلد لا اعرفه.
- “ليه بتضحك، يا عمّ؟”.
- “ماكو بلد اسمه العِراءْ”.
- “متأسف”، قال الشاب، وهبّ واقفاً وقبلني فيما بين عينيّ.
أخبرت الشاب أني أريد أن احدثه عن “شيء ما”، إن كان لديه استعداد، فرد فوراً: “أيوه، يا عم”.
قلت: استاء احد النواب الملكيين في برلمان نوري السعيد، من خطبة كان يلقي بكلماتها أحد نواب المعارضة العراقية تحت قبة البرلمان ببغداد، تردد اسم العراق فيها كثيرا، مع شتم الاحلاف العسكرية، والدعوة للوقوف مع مصر والجزائر والخليج العربي والسودان، والهنود الحمر.. أيضاً.
علق النائب الملكي: “لا تكسروا “عين” العراق، “عين” العراق مرفوعة دائماً، أما في برلمان “التحرير” و”الفيدرالية” الحالي، فالمال السياسي تحت الجبة والعمامة، سواء بسواء”.
قلت للشاب المصري: “انهم يبيعون العُراق”.
وفي الطريق الى “مدينة نصر” حيث اقيم، كان صوت مرافقي يقول: “بكرة تشوف بالنهار” بينما كان قلبي يهتف: “عمار يا مصر”.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
حول رطانة بقايا الشموليين ............. جمعة اللامي
“نفسي مع كل نفسٍ، تجهرُ بأنّ الحقيقة هي وطني”
(لامارتين)
أقرأ بين موت صديق، ورحيل رفيق عمر، نعياً معداً سلفاً، لا تنقصه الصرامة اللفظية، ولا تعوزه الاستذكارات التاريخية، ولا تفارق ديباجته، كلمات مثل: “الشاعر الكبير” أو “الهندي الأخير” أو “الساموراي الأخير”، أو “الأمريكي الأخير”.
وساهمت وسائل الاتصال الحديثة، في إشاعة خطاب يركّب على الحزن وعلى الفرح على حد سواء، سهل الاستعمال، ليشمل الجواهري، أو شوقي، أو رامبو، أو شاتوبريان، أو أحد الذين ينتظرون موتهم المؤجل.
هذا هو خطاب بقايا الرموز الثقافية للحرب الباردة، الذين كانت مناراتهم الهادية ذات يوم، مقررات المؤتمر الأول، أو المؤتمر العاشر، أو المؤتمر ما بعد العشرين، لهذا الحزب الشمولي أو ذاك.
ومن واقع معاش، خارج الأسوار وداخلها، وأصحاب الأسماء معروفة لهؤلاء الشهود الأحياء، لم أسمع من هؤلاء، جملة واحدة، نعم جملة واحدة صحيحة، تلتزم الحق والحقيقة، بشأن شاعر عراقي، مثل بدر شاكر السياب، مهما كانت أخطاؤه السياسية وأسبابها، بحق حزب سياسي ما، لا بحق وطنه وشعبه.
أحتفظ بذكريات شخصية لا يمكن ان تمحى من سجون نقرة السلمان، والحلة، وبعقوبة، والموصل، عن تلك الشتائم المريرة، والأوصاف البذيئة المستهجنة، بل وحملات الدس والتكريه المبرمج، بحق مجموعة من الشعراء والكتاب العراقيين، لأنهم كانوا لا يريدون تصنيفهم مع “ثقافة القطيع”.
كثير من الناس لا يزال على قيد الحياة. وهؤلاء لا تزال “ذاكرتهم خضراء”، بصدد تعميهات التلفيق، ونسج الأكاذيب، واختراع القصص المهينة للكرامة الإنسانية، التي قيلت بحق مجموعات ثقافية عراقية، من مدارس مختلفة، بعضهم لا يزال على قيد الحياة.
تلك هي رطانتهم العراقية، سابقاً والآن.
أحد اصدقائي الخلص، الذي عرفته في سجن سلمان، بعدما تخلص من سجن نسخة “توده” الشاهنشاهي، كان لا يسلم من بذيء الكلام، حتى وهو في دمشق عند مطالع ثمانينات القرن الماضي، والشهود على هذه الحفلة الدموية كثير بينهم فلسطينيون.
ولقد أصابني الهلع الأكبر، عندما عرض بين يدي، أحد قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدمشق، النسخة الأصلية لرسالة من مسؤول أحد الأحزاب العراقية، بفصل كاتب عراقي من مجلة “الهدف” بسبب اختلاف في الرأي.
صاحب الرسالة يعرف، وضحيته يعرف أيضاً، كيف أعيد ذلك الكاتب الى عمله، بعدما كان البصل والخبز قوت يومه المؤلف من خمس وعشرين ساعة.
بدعة هذه الأيام ان بعض ورثة ثقافة التصفيات الأخلاقية، افتتحوا بازارات لنعي الكتّاب والشعراء العراقيين الذين يعانون من أمراض جسدية، وهم على فراش “الموت المؤجل”.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
الفرح ليس مهنتي .............. جمعة اللامي
“كمون الحقد في القلب، ككمون النار في العود”
(ابن المقفع)
العنوان “الفرح ليس مهنتي” هو لقصيدة كتبها الصديق الراحل محمد الماغوط، الذي صار بعد ذلك عنواناً لأحد كتبه.
لم أسأل الماغوط: “لم أخترت ذلك العنوان؟” لأنني أعرف مسبقاً أن “هذا السؤال ليس مهنتي”، مثلما الترويج للسهولة في الكتابة “ليست مهنتي”.
بعضنا، أقصد الكتّاب، يسجل بجواز سفره، أنه “كاتب” للتعريف به الى الدوائر ذات العلاقة. وهؤلاء ذوو حظ عظيم، إن هم وجدوا من يفرق بين مهنة “الكاتب” الروائي، ومهنة “الكاتب” في دوائر أخرى لا علاقة لها بالإبداع الأدبي.
وفي العادة، فإن وجود كلمة “صحافي” أو “كاتب صحافي” في جواز سفر أحد المواطنين العرب، يشكل “خريطة طريق” لمشكلات لا حصر لها، اذا ما صادف حامله جاراً في رحلة، أو رجلاً مكلفاً حماية الأمن عند أحد ثغور العرب. وما أكثر ثغور العرب غير المحصنة في هذه الأيام.
أغلب زملائنا لهم قصص طريفة أو محزنة، أو تدل على سُخف في احيان كثيرة. من تلك المرات الطريفة، أن رجلاً تبدو عليه الأناقة المفرطة في ملبسه، سألني: “شو يشتغل الأخ؟”.
قبل أن أعرض بين ايديكم جوابي، أقول ان الرجل السائل كان يسب الاستعمار الشرقي، والاستعمار الغربي، بكل ما أوتي من علو في الصوت، حتى خلت أنه ينافس محرك طائرة “الجامبو” التي كنا نمتطي صهوتها.
لكنه أعاد سؤاله: “شو يشتغل الأخ؟”.
قلت: صحافي.
ابتسم ابتسامة عريضة، وقال: “يعني مثلي؟”.
سألته: أنت زميل لي، اذن؟
هز رأسه، وابتسم حتى بلغ طرفا برطميه شحمتي اذنيه، ثم دخل في صمت عميق.
فضلت السكوت. ففي سؤاله الأول، كان شيئاً يمكن الاصغاء إليه من باب الأدب. وردي عليه كان من باب الأدب أيضاً. أما إدارة حديث في طائرة حول “مهام الصحافة العربية وتحديات المرحلة”، كما يدور في أغلب المؤتمرات الصحافية العربية، فذاك “ليس مهنتي” ابداً.
وهكذا ارتحت لسكوته. لكنه فاجأني: “شو هو اسم صحيفتك، يا أخ؟”.
قلت مازحاً: “واشنطن بوست”!
استفهم الرجل مستغرباً: “شو، شو قلت؟”.
أخبرت جاري الطائر: “قيل لمدام كوري، ان راتب رئيس قسم في محل لبيع الملابس يساوي راتبك. قالت: أعلم ذلك، لكنني أمارس مهنة جديرة بالاحترام”.
سألني جاري: “مين كورا.. هاي”.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
العجوز ماكاماك الطيّب ................. جمعة اللامي
“الحياة التي لا فائدة منها، موت منكر”
(غوته)
لطالما أحببنا أمريكا، نحن الملايين من العرب، ليس لأن فيها من يحبنا، أو يقف إلى جانب قضايانا العادلة. بل لأن فيها مواطنين تزداد الولايات المتحدة شرفاً بهم. ولسوف نتذكر اشخاصاً أمريكيين، من السود والبيض والصفر، ربما عنوانهم عجوز سبعيني اسمه ألدون ماكاماك.
غير أن ازدراءنا للسياسات الأمريكية غير المنصفة، وغير العادلة، واللاأخلاقية في بقاع معروفة من هذا الكوكب، لا يطال نماذج ماكاماك، وينظر باحترام الى اولئك الرجال، وهاتيك النسوة، الذين تعني امريكا لهم: الحرية والكرامة والعدالة.
لقد تعلمت، كما أجيالنا الأدبية العربية، بعد الحروب الأمريكية في العالم، من “كيرواك” كثيراً.
تعلمنا منه، كما من زملائه الذين شتموا السياسة الأمريكية بالقرب من البيت الأبيض، معنى ان يحب مجموعة الشعراء والكتّاب من زملاء “كيرواك” بلادهم، وهم يوجهون الى سياستها في فيتنام، أشد النعوت وأقسى الكلمات، ولا يبالون بأي شيء.
هؤلاء هم الأمناء على كراماتهم الشخصية، المدافعون عن تسوية شعب جمع بين أفراده الحلم بالحرية والعمل بحرية، والتفكير بحرية، والسفر بحرية، رغم زحف “ثقافة المصارف العملاقة” و”الشركات متعددة الجنسيات” و”السجون الفضائية” ورعاية “الإرهاب.. في منابعه الأولى”.
هل نذكّر بأولئك الرجال من وكالات الأمن، وشركات القتل، في افغانستان؟ من الذي ربى النمر الصغير في جحر غيره، ليجعل منه رعباً كاسراً في “الحدائق الخلفية” لأمريكا؟
“الحدائق الخلفية” لأمريكا التي يشتمها “كيرواك”، وهي غير امريكا - ماكاماك - هي بلدان الماء الفقيرة، وأقطار الطاقة الأكثر فقراً، وأصقاع الخوف والعوز والتخلف، التي جعلت منها السياسة الامريكية “قواعد ثابتة”، أو “بارات ثابتة” أو “سجوناً سرية”.
أشهد أن العجوز ألدون ماكاماك، ذا الأعوام السبعين والسنة الأخرى المضافة، متشبّع بأخلاق دينه، وهو ربما لا يفهم الدين كما أفهمه أنا، أو كما يعرفه بعض الذين يحولونه الى اقصاء ل”الآخر”، ولكنه أمين، وأمين جداً هذا العجوز.
وهل صفة حميدة، هي الأمانة فعلاً، تصلح عنواناً لذلك العجوز الأمريكي الطيب.
ذكرت صحيفة “مونسي ستار” ان ماكاماك الذي من مدينة “نيوكاسل” بولاية انديانا، أراد صرف دولار واحد في جهاز تبديل العملة للحصول على اربعة ارباع، لوضع اثنين منها في جهاز غسيل السيارات الآلي، فتدفقت من الجهاز ارباع بلغت قيمتها 250 دولاراً.
قالت الصحيفة إن ماكاماك سلّم الدولارات الى مركز الشرطة، وأخذ حقه فقط.
يقول الماجدي: أرفع عقالي، تحية لهذا الأمريكي الأمين.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
أمير الزمان ............................... جمعة اللامي
“اعلم أخي أن النقش هو النقاش”
(فريد الدين العطّار)
ما أصعبها، وحدة أمير زمانه.
أقول وبالله التوفيق ومنه، كما قال أبوعلي حسن الماجدي، بلسان “العطار”: “لا أحد يفقه سر اللغة التي بيني وبينك.. عالمك وعالمي وراء الإدراك”.
الماجدي، صاحبي الذي يعرف أن اللغة سجن، وأن الجسد سجن، وأن المال سجن، وأن الدنيا سجن، يلقي بنفسه، وليس بجسده فقط، (في) كل ما يخشى منه الناس.
إنه بحر، يقف خارج الوقت، ولا ينام في وقت. فالبحر صامت بينما يمزقه الحب إرباً إرباً، فتختبئ جواهره في جوهره، ليصير هو الصياد والطريدة.
من كان منكم طريدةً، فليذهب الى آخر أهراءات الغابة، ولينفِ نفسه، وهو في حضرة الجزيء الذي لا يتجزأ، لأنه صار نقشاً، نسيه النقاش، ومضى الى حال سبيله.
بالله عليكم، أيها الملوك المتوّجون، وأنتم يا أمراء الزمان الأرضيون، إذا ما لقيتم غزالتي في براري بلدانكم، فقولوا لها: “يا مريم، غيبكِ الغَيْهبُ، فصرت الخط والنقطة، ونام الخليّون بلا خلان: وحدي أنا المسكون باللامعرّف، أتعرف عليه، في مجمرة روحي، وبراكين غلطاتي!”.
تقول مريم: “الشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقصده، والحقيقة أن تشهده”.
وأقول: الماجدي.. المحبة بين السماوات والأرضين، حيث اللامعرف، واللاموصوف، يهرول بروحه نحو الأرضه، النسبي، المعرّف، والموصوف: الإنسان.
تقول مريم: قُد قلبك، وامحُ نفسك، واقتبل محبوبك، وذب في إهابه، فلا منزلة تليق به بين منزلتين. ما يليق به هو نقش شاهده نقاشه، فذاب في اللون.
إذن، تعال، يا أخي، نقف عند عتبة بوابة الرضا، فلعل مولانا يسمح لنا برؤيته، يتدلى بين الشفع والوتر، وبين البصر والأبصار.
قالت مريم: “وما رأيت، يا أخي، عندما التقيت رويم؟”.
قلت: “إني لأستحي”.
قالت مريم: “وهل يستحي الحبيب من الحبيب؟”.
قلت، قال رويم: ابق مع الله على ما يريد، لا تملك شيئاً، ولا يملكك شيء.
هتفت “بنت مطر”: “وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله”.
قلت لها: “يا مريم، هو (في) أنفسنا، أفلا نبصر؟!”.
ثم حدث أني رأيت الماجدي ومريم مثل عمودي نور، يحلق بهما باز، والباز في دانة، والدانة في ياقوتة، والياقوتة في نور.
وجلّ وجه الله تعالى.
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
المعلم ................................ جمعة اللامي
“قيل لديوجانس: متى تطيب الدنيا؟ قال:
إذا تفلسف ملوكها، وملك فلاسفتها”
(الإمتاع والمؤانسة الليلة السابعة عشرة)
لا يأتي بمثل هذه الشذرة، إلا معلّم.
و”التوحيدي” رحمه الله، معلّم ومؤدب. كما هو الخوارزمي، وجابر بن حيان، والكندي، وأميّة بن أبي الصلْت.
والمعلّم، رب الأسرة في منزله، والمدير في مدرسته، والأمير في إماراته، والإمام في الأمة.
وخيرُ المعلّمين معلّم نفسه.
والمعلم متواضع، لأنه عالم. والعالم من دون عصا بين تلامذته، لأنه ابن الحجّة، وابن بجدتها، وسليل الحكمة، والذي ضالته المعرفة حيثما وجدت، وأفشت عطرها وسلامها.
يقول “التوحيدي” بلسان “فيثاغورس: “إن كثيراً من الناس يرون العمى الذي يعرض لعَيْن البدن فتأباه أنفسهم. فأما عمى عين النفس فإنهم لا يرونه ولا تأباه أنفسهم، فلذلك لا تستحيون”.
والمعلّم حيي: وسبحان الله الذي ليس كمثل حيائه حياء.
والمعلّم من عرك الدنيا، وعركته الدنيا، فاغتنى علمه بالتجربة، وأثرت تجربته علمه.
والمعلّمة ربة البيت، أيضاً.
قال أحد المعلمين العرب: “أيقظت إعرابية أولاداً صغاراً لها قبل الفجر في غدوات الربيع، وقالت: تنسّموا هذه الأرواح، واستنشقوا هذا النسيم، وتفهّموا هذا النعيم، فإنه يشد من مُنتِكم”.
أي: من قوتكم.
والمعلّم قوي في بدنه، كما قوي في خطابه.
صادفت رجلاً من أهل “الذيد” قبل ربع قرن، فيما كنت أبتغي ظل سدرة تجعلني أفتح عندها كتاب تلك الأرض، وسألته: من أي البلاد أنت؟
وكانت بكرته بجواره. فتبسم وقال: “إن العرب لا تصلح ببلاد، لا تصلح بها الإبل”.
وسألت رجلاً آخر من أهل الشارقة: كيف تصبح، أخا العرب؟ فقال: بعدما أصلّي الصبح، أتفقّد عيالي، وأمر على إبلي، ثم أذهب للسلام على شيوخي.
قلت له: والله، إنك محراك النار.
ويقول المعلّم “ابن القَيم”: النجائب في المقدمة، أما حاملات الزاد ففي الأخير.
والمعلّم في المقدمة دوماً.
وهذه هي أيامه الآن، حين تصطخب الأمواج من حولنا، ونحن بين أوقيانوس وأوقيانوس. ولا دليل في هذه الهيْجات، إلا المعلّم، فهو القائد حقاً في المدرسة، والمنزل، والحكومة، والدولة، والزمان.
وَشُلتْ يدٌ تعامل هذا التاج، كما يعامل النخّاس الرقيق.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
من رواق "أم هاشم" ........ جمعة اللامي
ليست غلطة بورخيس
“علمني فقدان البراءة، أن من يأتي لنا بالهدايا
في عيد الميلاد، ليس الطفل يسوع”
(ماركيز - عشي لأروي)
عرفت خورخي لويس بورخيس، ذا المنبت البريطاني، كمقدمة لمعرفته على نحو أفضل من بين أفضل كتّاب أمريكا اللاتينية: هذا الميل إلى الإيهام، هذا التخفي وراء الشخصيات المختلقة، وهذا “الزواج الأبيض” من امرأتين، بزتهما في علاقته بالمرأة، مدبرة منزله: ابيفانيا أوبيدا دي روبليدو.
وخلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، حين كنت أتحدث إلى الزميل محمد خضير، وهو في بصرة العراق، أذكر بورخيس اسماً، وأعيد ترتيب علاقة بورخيس ومحمد خضير، وعدد من زملائنا، بهذه الحالة غير المعلنة في حالاتنا المعلنة، كما لو أنها ثياب داخلية على حبل غسيل ملابس.
لقد وقع بيدي نصّ الترجمة العربية لسيرة بورخيس، كما أملاها علي ناشر أعماله باللغة الفرنسية، بعدما طبعته دار نشر مصرية قبل سنوات.
حدث هذا بعد محاولات مستمرة، بل بعد جهاد إذا صح القول، فبينما كنت متلهفاً لقراءة ذلك النص، كنت متخوفاً في الوقت ذاته من حدوث “التباس ما”، أو صدفة غير حميدة، أو في أحسن الأحوال أن الترجمة ليست على مستوى الحالة غير المكتشفة لثيابنا الداخلية وهي على حبل غسيل ملابس.
وأخيراً، استطعت الحصول على النسخة العربية المترجمة، وبعد عشر صفحات ونيف من القراءة المركزة، اكتشفت قطعاً، أو كسراً، أو اختلالاً، في المعنى والسياق.
نظرت إلى الصفحة، فوجدت أني أقرأ في فصل ختامي، بينما لا أزال في مقدمة الفصل الأول من السيرة الذاتية: “العائلة والطفولة”.
ليس بورخيس هو المخطئ، ولا هو ناشر أعماله باللغة الفرنسية، وليس هو مترجم النص. لكنه ربما يكون الذي أشرف على إخراج الكتاب، أو الذي نفذ عملية الإخراج.
هل أخطأ بورخيس مع زوجته الأولى، عندما لم يذهب معها إلى سرير الزوجية، في الليلة الأولى لزواجه، وفضل أن ينام على سرير آخر؟
وهل ارتكبت الظروف المحيطة به، خطيئة قيادته إلى العمى بينما هو يعمل مديراً لأكبر مكتبة في بلاده؟
وهل أن مصائرنا تتحول إلى جرائر، لأننا اخطأنا في اختيار أماكن هجرتنا؟
وهل هي غلطتي، إذا كنت قد ولدت، ووجدت الحدود أمامي في كل مكان من هذا العالم الأرضي؟ كما تساءل ذات مرة أحد الكتّاب الفرنسيين: “غير أن المؤكد، أو اللامؤكد، أن ثمة ضحكة صامتة ترافقنا من الصيحة الأولى وحتى الكفن الخشن.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
ريش ................................ جمعة اللامي
“الأرض فلاح شقاه طيب وصبر جميل
الأرض شاعر يفتّح زهرة المواويل
الأرض عامل يهادي والأيادي سبيل
الأرض إنسان..
الأرض جندي
وكل حدودنا طعم النيل”
(فؤاد حداد)
صعد إلي صوت من أطراف أصابع كفي اليمنى:
“جيفارا مات، جيفارا مات!”.
رويداً رويداً، تأكدت من صوته، وحين تأكدت من أنه موجود، وأنه يميني فعلاً، ضربت بكف قدمي اليمنى على الأرض، لأزداد علماً بأنني أسمع ما لا يسمعه غيري.
وأبى الصوت إلا أن يجلس قبالتي هذه المرة:
“جيفارا مات، جيفارا مات”.
قال الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي: “هذا هو توني!”.
ضحك عمّه، عمّه الذي اسمه مجدي، القيّم على مقهى ريش حالياً، وقال: “هُو أصله كده، يحب جيفارا، وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام”.
بعد ذلك، عند الساعة العاشرة من مساء يوم الاثنين الماضي، عندما كنت أتكلم بالهاتف مع الأخ مجدي قال لي هذا هو حسنين رسام الكاريكاتور في جريدة “الأهالي”، وهو الذي يعلم توني، أشعار وأغاني نجم والشيخ إمام”، وكانت المفاجأة الأخرى: ها هي يا ريش تعيد إليّ ذكرى أصدقاء أعزاء، في مقهى رفعت السعيد!
في الساعة الثالثة من عصر ذلك اليوم، الاثنين كما أخبرتكم قبل قليل، خرجنا من مكاتب مجلة “إبداع” الى الشارع. قال حجازي: “سوف نتغدى بمطعم، وقبل ذلك سنمرّ على مقهى “ريش”. وهكذا حطت رحالنا عند هذا المثوى التاريخي، الذي ستمرّ مائة سنة على تأسيسه في العام المقبل، وحيث يعمل الأخ مجدي جهده لإنجاح هذه الذكرى، ومعه ثلّة من الذين ارتبطوا بهذا المكان، من أجنحة مصر كافة.
قال مجدي لحجازي: “أريد منك قصيدة بهذه المناسبة، لا يهم إن كانت مدحاً أو قدحاً. أنت تعرف قصيدة أحمد فؤاد نجم عن “ريش”.
وها هو صوت “توني” ابن السنة السادسة وبضعة أشهر، ينشد شعر “نجم” وغناء “إمام” في جيفارا، وفي مقهى ريش!
“مين هوّ جيفارا، يا توني؟”.
“جيفارا عمّي”. رد توني.
وعندما عُدت الى مأواي، ماراً بالقاهرة القديمة، من تحت “القلعة” حيث مقابر المصريين، وسكن بعضهم أيضاً، تناهى إليّ أن صوتاً من داخل أحد القبور، ينشد قصيدة “نجم” الشهيرة بصوت “إمام”: آه يا عبدالودود، يا حارس ع الحدود” فيردّ عليه طفل آخر اسمه محمد: “ما عاش اللّي ينسى مصر!”.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
ذاكرة المستقبل
من روضة "أمّ هاشم" ............ جمعة اللامي
صلّوا على الحبيب
وَما يَدّري الشعراءُ منّي
وَقَدْ جاوَزْتُ رأس الأربعينِ
(سُحَيْمُ بن وثيلٍ الرّياحي)
بين فلقتي الصباح، عند مسجد السيدة فاطمة الزهراء، بمدينة نصر، أتاني جسده قبل صوته: “أهلاً بك يا عمّ إبراهيم، مُرني بما تشاءُ، فأنا طوعُ أمرك، ورهْنُ إشارة من سبابتك اليمنى”.
“وأنا....”.
ثم توقف فجأة، وقال: “أنت إبراهيم، ولدي المضيع في الحروب الخاسرة، والصفقات البائرة، والمؤجّل إلى يوم الوعد، والموعود بملاقاة الأمير، والمرهون ليوم مروءة”.
وقال: “اتبعني إلى الحسين”.
- “يا عمّ، أنا...”.
ثم “رأيت” رائحة لحيته، و”لمست” عطْر كفيّه، وشاهدت قلبه “يراني”، من وراء جُبّة الصوف الخشنة التي غطت جسده، فانطلق صوتي المحبوس، بلسان الشكر.
- “أنت هو الماجدي”.
- كنت معك بالشارقة، وميسان، وبيروت، والجزائر، ودمشق، ونيقوسيا، وباريس، وطرابلس الغرب، وعلى أعلى ذروة في الهملايا”.
كنت منجذباً إلى رجل يستعصي على الوصف، سوى أنه “أبوعلي حسن الماجدي”، الذي سلمني، وأنا في الهزيع الأول من شبابي، أقدس قرطاس في حياتي كلها. قال: “أيها العزيز، احترم العلم والعلماء، واحترم تاريخ أهلك، ولا تتبع هوى نفسك، واعل من شأن العقل، وتوكّل على الله، وابْرِ ذاكرتك”.
قلت: ها أنت توقفني في وقفة الواقف في الحضرة.
قال الماجدي: يا ولدي، البحر أمامك، والبحر خلفك، والبحر على الشمال وعلى اليمين، وخلاصك بكلماتك.
ثم ذاب في الجمع.
ورأيته يذوب في جموع المصريين المتجهين إلى قلب القاهرة، منطلقين من “المنصّة” في مدينة نصر، أو من البحر الأحمر، أو من الاسكندرية، أو مما قبل بلد النوبة.
وحين مررت على “العتبة” في طريقي إلى مسجد سيدنا الحسين، يوم الجمعة الماضي، رأيت خياله قرب امرأة تبيع “ساندويتشات الملفوف”، وصوته ينطلق:
- “صلّوا على الحبيب”.
سألت مرافقي: “من هو صاحب النداء؟”.
- “ألمْ تعرفه؟ نحن نسمّيه: الماجدي”.
- “الماجدي؟”.
- “نعم”، أجاب مرافقي، ثم أردف: “هذا رجل مبروك، تراه في المشارق كما في المغارب، وهو هائم في الوجد”.
لم أشاهد أي ظلّ له عند بائعة السندويتشات لكنها قالت: “الماجدي حامل كتاب الأمل، يا ولدي”.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق