الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

سيرة غير منتهية




جمعة اللامي


• أديب وروائي عراقي مقيم في إمارة الشارقة• ولد ونشأ في جنوب العراق، قبل أن ينتقل إلى بغداد، سنة 1959• قضى سنوات عدة في أغلب سجون ومعتقلات العراق منذ عام 1963• غادر العراق عام 1979 واستقر في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنة 1980• شغل مناصب عدة في صحف الخليج والاتحاد وغيرها.• يعمل حالياً كاتباً متفرغاً في جريدة "الخليج".• نال جائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي في القصة القصيرة عام 2006• نال جائزة العنقاء الذهبية الدولية عام 2007• من مؤلفاته :- من قتل حكمت الشامي؟ : مجموعة قصصية، بغداد 1976- أليشن : مجموعة قصصية، بغداد 1978- الثلاثيات : مجموعة قصصية، 1979م- عبدالله بن فرات ينتظر ثأر الله : الخليج للصحافة والنشر، الشارقة 1983م- المقامة اللامية : الأردن، 1990م- مجنون زينب : رواية . 1998م- أشواق السيدة البابلية- الثلاثية الأولى : رواية . نيقوسيا – قبرص، 2000م- الحرية والثقافة ( ذاكرة المستقبل )- ابن ميسان في عزلته : المركز الثقافي العربي، 2005م- مملكة الحكمة، بوابة الكلمة : المركز الثقافي العربي، 2005م- جمعة اللامي ... الأعمال الروائية : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004م.- جمعة اللامي ... الأعمال القصصية : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004م.*


البريد الإلكتروني: juma_allami@ yahoo.com


الموقع الإلكتروني: www.juma-allami. com

عن اللامي




أحمد علي الزين

هو جمعة اللامي الروائي والقاص العراقي ابن ميسان أو العمارة، مسكون بطفولته وبأحزان جنوبه، يسكن الشارقة وتسكنه البلاد بنخيلها ومائها وفقرائها وأوجاعها. حمل معه ما أمكنه وبالتأكيد حمل ألم سجنه وآماله وبعض نصوص قديمة احتفظ بها في بيته تتكثف حياته حياة أبطاله وأصدقائه وكتبه وصوره، وأول ما يلفت النظر هو نص قديم كتب في الستينات داخل سجن الحلّة، ترى ماذا يشعر المرء عندما يستعيد عبر هذه المخطوطات مشاهد تلك الأيام؟





أحمد خلف

يعتبر أدب جمعة اللامي القصصي، أدب فجيعة، أي أنهُ ينتسب وينتمي كلياً الى الادب المأساوي الذي تعارفنا عليه في الآداب العربية او العالمية . وترتكز القاعدة الفكرية المغذية لنشوء نصوصه على المعادلة الثنائية التي تقول، بضرورة البحث عن الوشائج او القواسم المشتركة بين التجربة الذاتية وبين تراثه الوطني او القومي، لذا، فالتجربة الخاصة للقاص الكبير جمعة اللامي من الثراء والغنى بحيث نجدها تطغي في بعض النصوص التي كتبها في النصف الثاني من مرحلة الستينيات، على تجارب معرفية واجتماعية وبعضها ذو أصول دينية وأخرى سياسية واضحة المعالم ، سوف نأتي على ذكرها وجعل حالة التماس بين ما هو ديني وما هو سياسي ممكنة الشروع في تهيئة النص القصصي الذي كتبهُ .


لمتابعة قراءة النص يرجى الضغط على الرابط التالي






عصام محفوظ

كتب الأديب اللبناني مقالا في خريف سنة 1970، ثم اعاد نشره كاملا في كتابه الموسوم: «الرواية العربية الطليعية»: «اما اللعبة الشكلية المتطورة جدا، فصاحبها العراقي جمعة اللامي، الاول الذي يحاول ان يكتب كما كان ابو لينير يكتب بعض شعره، اي يستغل الامكانات التصويرية للتأكيد على معنى يدرك هو ان الكلمات المصفوفة في ترتيب، قد لا تؤكده في القوة نفسها التي يريد. وهو ما يسمى في الغرب: كاليغرام. جمعة اللامي، الأول من بين كتاب القصة العرب، بل بين كتاب القصة في كل مكان، كتب القصة بهذا الاسلوب».




احمد المديني

«جمعة اللامي: نشيد القصة العراقية».





الدكتور محسن الموسوي

كتب تقديما مسهبا للكتابين بعنوان: «جمعة اللامي: الســـــــرد باحثا عن يقين»، تابع فيه بدايات جمعة اللامي في الحياة الثقافية والسياسية في العراق منذ ستينات القرن المنصرم، واوضح تفرداته في المشهد القصصي العراقي والعربي، حيث انه هدم الحدود القائمة بين الاجناس، فلا قصة ولا رواية ولا شعر ولا مقامة، كما في قصصه القصيرة، وكذلك في روايته «مجنون زينب».







محمد سعدون السباهي

انكســـار الحلــم فــي ثلاثيــة جمعــة اللامــي
عن دار بابل بريس للنشر في قبرص، صدرت للقاص والروائي العراقي المعروف جمعة اللامي، رواية جديدة تحت عنوان: الثلاثية الاولى. سبق وصدر اللامي اكثر من خمسة عشر كتابا، بين رواية ومجموعة قصصية وابحاث، بدءا بمجموعته الاولى: من قتل حكمة الشامي، مرورا بروايتيه: المقامة اللامية، ومجنون زينب، وانتهاء بكتابه المهم: المسألة الفلاحية في العراق، وهو بحث معمق، في الاقتصاد السياسي للريف العراقي. روايته الجديدة، الثلاثية الاولى، التي نحن بصدد القاء الضوء على بعض ما احتشد به متن الرواية من احداث توزعت على مئة صفحة تقريبا من الحجم المتوسط.

يمكن اعتبارها واحدة من الروايات العديدة، التي اتخذت من التجربة الشيوعية المخفقة، مادة لها. تدور الاحداث فيما يشبه الترميز، حيث يشمل الجميع حلما عزيز المنال، مفاده: الوصول الى: ديرة حلم العمر! كما اطلق عليه الكاتب. عزيز الموسوي، وغريب المتروك، وخالد الامين، وكريم البقال، والمسيحية الشيوعية: سافرة عبدالمسيح، التي تعمل في جريدة (الوطن) وهي تورية لصحيفة (طريق الشعب) سافرة هذه القى الحرس القومي عليها القبض بعد انقلاب عام 1963 المشؤوم واغتصبوها في مركز شرطة الفضل، الامر الذي دفعها، بعد ان فشلت محاولتها في الانتحار، الى السفر الى بيروت للانضمام الى اقارب لها هناك، هربا مما اصابها، واصاب الكثير من رفاقها في بغداد. هؤلاء كانوا يعتقدون في انفسهم، انهم يمثلون الضمير الجمعي، لجيل معذب، اختار المشاركة في الثورة المنشودة عن وعي، الثورة القادرة وحدها على تنفيذ طموحات الجميع الانسانية المشروعة، في خلق مدن المساواة الجديدة.
حتى ان الشيوعي عزيز الموسوي، يختصر اسئلة مفوض التحقيق، بالقول: ان جميع مشاكلي التي جلبت عليّ اللعنة، جاءت حين حاولت ان اوضح، اول مرة لنفسي وللناس، ما لله الذي في السماء. وما لماركس الذي على الارض.
ولان احلامهم، كمثقفين شباب، كانت اكبر بكثير من الامكانات المتاحة، ولحداثة تجربتهم بمتاهات السياسة واحابيلها، لم يجدوا من يواسي احزانهم، ويخفف من فوران مشاعرهم المرهفة غير الخمرة، إذ وحدها التي تجعلهم احرارا في ان يشرقوا او يغربوا بافكارهم المجنحة، حتى ان احدهم، وهو طالب في اكاديمية الفنون الجميلة، تتركز امنيته، فيما لو تحققت الثورة، القيام بعمل جدارية على امتداد شارع ابي نؤاس، الذي يرتادون حاناته، خصوصا حانة كاردينيا الصغيرة، ويقول اخر: سأشرف بنفسي على تحويل (الشاكرية) الى ملاعب للاطفال، وثالث يهتف بصوت مسموع: سأحول منطقة الصرائف خلف السدة، الى مدن على الطراز الاوربي.
ولكن، وبتقدم السنوات، واحداثها وتجاربها المريرة، اذ يصبح معظمهم من زبائن مراكز التوقيف الدائميين، بعد ان يلقى عليهم القبض، على اثر مطاردات شرسة، في المدن والقرى النائية على حد سواء، ويعيشون ضراوة التحقيقات الامنية، ويرمى بهم في سجون نقرة السلمان، والحلة، والبصرة، وبعقوبة والنفي الى مدن الشمال، يصبحون كهولا، حتى من لا يزال في الثلاثين من عمره!
وبدلا من ان يرفعوا كؤوسهم، كما كانوا يفعلون قبل التجربة، باسم جيفارا، صاروا يرفعونها تارة بـ:نخب السجون، واخرى، نخب الجنائز المحطمة جماجمها، واخيرا: نخب خراب العالم!!.
ولعل اقسى ما في الرواية المحتشدة بالمآسي، مشهد عزيز الموسوي، الذي اطلق سراحه بعد انقلاب 17 ــ 30 تموز ــ 1968 ولكنه اصبح يؤمن بحمل البندقية، والذهاب الى الاهوار، ليواصل نضاله عن طريق الكفاح المسلح، هذه المرة، يسمع من مكانه في احدى حانات منطقة السعدون، ويرى عبر زجاج نافذة الحانة، كيف ان بغداد سكرى بالناس الذين يطلقون الهتافات والاغاني، من اجل الاشتراكية، وان بعضهم من رفاق الامس الدامي، الذي تعرف عليهم في السجون ومراكز التحقيق، فينتحب في غضب، ويصيح بما يشبه الجنون: من غرف التعذيب، الى اناشيد الجبهة، هل هذا صحيح؟!.
المهم، تنتهي الرواية من دون ان يصل اي منهم الى مدينة الحلم، اليوتوبيا، التي سماها الكاتب، جمعة اللامي، ديرة حلم العمر، إذ دفعت الفاشية، لكل من فكر في ذلك، اما الى المقابر المجهولة، او الجنون، او العوق الجسدي الذي لا شفاء له!.

أتى هذا الخبر من جريدة الاتحاد
http://www.alitthad.comعنوان الرابط لهذا الخبر هو:http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=30263



" الجنون هو الشجاعة اذا كانت الحرية في خطر" - خضير ميري: تصريح بالجنون.

تجربة الروائي والكاتب جمعة اللامي لم تدون حتى اليوم لا من قبله ولا من قبل غيره وحتى حدائق محمد خضير بعد اقامة في منزل اللامي قصيرة في الامارات لم تكن سيرة ذاتية لهذا الروائي والانسان بل كانت رؤية مكثفة للكاتب عن عوالم سريعة الزوال تشبه المراثي أو النعي وربما التحية، لكن أحدا لا يزعم بقدرته على كتابة تلك التجربة وقد يكون الوقت قد تجاوز الروائي نفسه للكتابة حين مر الوقت الكافي لاعادة صياغة التجربة، ليس استذكارها ولكن اعادة بناء سيروي حتى لو حاول لاحقا كتابتها من خلال سيرة ذاتية كما هو معروف.

وهنا أحب أن اضع لمسة انسانية على الموضوع ربما لأنني احد الذين شاءت الصدف او الاقدار أن أكون قريبا منه منذ السبعينات يوم كان الكاتب معروفا في الوسط الثقافي وحاضرا في السجالات وكان الادباء يعتقدون ان العالم يتفتح بكل براءة ووضوح وان البيان الشعري أو الحكاية أو القصيدة وربما الحوار تحت أشجار النهر في الليل سيغير قليلا وربما كثيرا من خريطة العالم.

كانوا أطفال راقصين بفرح بتعبير فاضل العزاوي أحدهم في كتابه: "التجربة الحية" وهو كتاب يستحق القراءة التأمل وخلاصة تجربة عريقة ومهمة في السياسة والثقافة مع ان العزاوي كان أحد أكثر هؤلاء تسلطناً في تلك المرحلة وغيبوبةً عن التدمير العضوي والبنيوي في المجتمع السياسي والمجتمع العام وكان انشغاله، مثل جيله، مشدودا نحو موضات التجريب بل والتقليد وهذا قد يأتي في فصل قادم لأن تلك التجربة التي صارت حية اليوم لم تكن كذلك في وقتها: كان هؤلاء جميعا يذهبون الى السجون أو المنافي بلا صيحة تحذير من القادم، وهو المأزق العام الذي سيقع فيه من بعد الوطن بصورة عامة والجيل الروائي الجديد بصورة خاصة، فشراكة المسؤولية أمر مفهوم ومقبول ولا أظن أن أحدا من هؤلاء لا يقبل به وهم جميعا الآن قد تكشف لهم الجانب الوحشي المستور من تلك المرحلة والنتائج القائمة اليوم.

كان الابتهاج واضحا، وكانت المسرات تُخلق، وكان بعض ذلك الجيل قادما من سجون صحراوية ـ جمعة اللامي كان في نقرة السلمان ـ وبعضهم الاخر من سجون أخرى رغم ان كثيرين من ذلك الجيل ـ عكس الجيل الروائي الجديد ـ مارسوا بعض المباهج الانسانية والمسرات المشروعة في السكن والزواج والانجاب والسفر والعمل والاحتجاج والنشر والرفض والقبول والتملك قبل أن يقبض الكابوس الرهيب على رقاب الجميع، فتبين لذلك الجيل ان خلف أشجار النهر، ماوراء الاسلاك الشائكة، في القصر الرئاسي الستيني وما بعده أو في الثكنات حيث العقداء الغجر، كان يولد بصمت وسرية وكتمان عالم مختلف تماما وان الموسيقى القادمة عبر الأشجار، الأشجار الليلية المزهرة بالضوء والعذوبة والواعدة بالمسرات، وخلف خطوات الناس على الرصيف ـ يوم كان الرصيف رصيفا حقيقيا ـ الخطوات الهادئة المسترخية كما لو ان المارة يهبطون بسلاسة أو ينبعون برقة وشفافية من حيطان حكايات ناتالي ساروت، خلف تلك الخطوات هناك يولد مصير كابوسي مختلف للجميع ـ كما لو كان هؤلاء يركضون في براري فسيحة من الخارج كمهور صغيرة تتعلم المشي والركض والبهجة أمام فخاخ منجورة ومموهة بدهاء وبسذاجة: دهاء كولونيلات شبه أميين، وسذاجة كتّاب كانت تتشكل بالقرب منهم أخطر السلط في العالم وهم في حوار طويل دائم عن الثورة واليسار والسريالية والكفاح المسلح والجنس والتمرد والدين والحداثة وحولهم تنبى الأسلاك الشائكة والسجون ...والخ.

كان جمعة اللامي أحد هؤلاء لكنه ربما ـ لكي لا نظلم أحدا ـ كان الأكثر استعدادا للمضي خلف مشروعه ووراء ما كان يؤمن بها سواء كان هذا الايمان صحيحا أو غير ذلك لكنه كان صادقا في التبني على مستوي السلوك والخيار والمصير، ولم يكن قارئا معجبا بتلك المبادئ، بل القادر على التضحية.

تشكل رحلة اللامي الملحمية اسطورة تستحق الاعجاب والتأمل تبدأ من الجنوب، العمارة، اليشن، بغداد، بيروت، المقاومة الفسلطينية، السجن في نقرة السلمان، التعرض للغرق في البحر، رفقة غسان كنفاني ومحمود درويش، العمل في جريدة الهدف ـ يوم كان رئيس التحرير كنفاني ـ العودة في السبعينات الى العراق بعد صدور قرار( العفو) عن الفارين في تلك المرحلة، ثم العمل بعض الوقت في الصحافة مثل جيله في سبعينات القرن الماضي في ظروف بدت شبه مريحة وتوافق وطني سياسي كان هو الآخر فخا حتى اللحظة التي بدا الجرس أواخر السبعينات يقرع تحت أشجار هؤلاء واختفت الاسلاك الشائكة القديمة لتحل محلها الاسلاك المكهربة، وحين لم يعد الرفض أو الاحتجاج بحده الأدنى يؤدي الى نقرة صحراوية في السلمان بل يؤدي الى نقرة حقيقية لا عودة منها أبدا، ان لم يكن الأمر ينتهي بضيافة كلاب المانية جائعة ومفترسة تنتظر الروائي جمعة اللامي أو غيره من هؤلاء، جيل الأشجار والزهور الليلية، والعطر المسائي القادم عبر النهار، وفرح قلب العالم، القلب وليس التغيير، القلب الجذري ايضا، حين بدا الأمر كذلك كان جمعة اللامي قد حزم الأمر ـ ولا تنتهي تلك الرحلة في الخليج، حيث يقع اللامي اليوم في مصيدة جديدة وعلى يد من(نصفه غاطس قبل سنوات في اقتصاد الجراد، ونصفه الآخر في تكنولوجيا وحداثة مشوهة) وهو مصير عوليسي مقلوب ونهاية تراجيدية لبحار باسل ومنشق نظيف وأعزل.

الطريف في الأمر انني التقيت به مرتين مفصليتين من علاقة طويلة: المرة الأولى كنت قادما من خارج بغداد، من مدينة شبه ريفية، في مقتبل العمر، أخاف من عبور الشوارع وحركة المرور وشكل العمارات( ما زلت أخاف حتى اليوم) وتسكعنا طويلا بعد ذلك، وكانت هواية اللامي المفضلة بعد منتصف الليل، يوم تغلق المحال أبوابها، وينتشر ملوك الليل المطرودين من الطمأنينة والصحو والنوم ، كانت هوايته هي قلب لوحات معرض كان يقام في الهواء الطلق في الباب الشرقي وتعلق اللوحات على السياج الحديدي لنصب الحرية، وفي اخر مرة كاد أن يقضي علينا معا حين وصل في اللحظة التي انتهى الاستاذ جمعة اللامي من قلب آخر لوحة ـ وهنا المشكلة ـ من المعرض الفني الشعاراتي، شرطي أمن، وكنت أنا الفتى الطارئ على عالم المدينة وسلطها قد تصورته سيطلق النار علينا لكي نتحول الى لوحة أخرى تحت النصب، لكن اللامي الذي كان نائيا تماما في عالمه أيقظته خلية حراسة باقية من خلاياه الدماغية مكلفة بالسهر لمثل هذه الطوارئ أن أمراً جللاً يحدث قربه وعليه أن يتصرف، فمد يده في جيبه ـ جيب القميص العلوي على الجانب الايسر من الصدر ـ وأخرج مسدسا صغيراً أكبر قليلا من حجم قداحة التدخين ولم أكن قد رايته من قبل ولم أر مثله حتى اليوم، بهدوء من يشعل سيجارة وقال بالهدوء الجليدي نفسه لشرطي الأمن في زمن كان الجميع يخاف من الجميع بالحرف الواحد كما لو كان يتحدث مع خروف:" تمشي لو أطلق عليك النار؟" والمصيبة انه اضاف هذه العبارة: "وأطلق النار على المارة أيضا؟"

وكنا قبل ذلك بساعات نجلس في حدائق النهر نتحدث عن السوريالية والرواية والأدب والحرب الاسبانية ولوركا وكان يردد عبارة بريتون الشهيرة:" ان الفعل الوحيد الذي يجب أن نقوم به الشاعر هو النزول الى الشارع واطلاق النار على المارة". ترى ماذا سيحدث لو انه قرر الليلة ـ تحت نصب الحرية ـ تحويل مقولة المعتوه بريتون الى واقع حقيقي؟ تلاشى الآخر لا أدري كيف لأنني كنت مشغولا بترتيب وضعية اللامي وتجميل الحياة وقلت له ليس من باب الاعجاب بتلك المقولة ولكن من باب الحيلة والتوازن مقولة ناظم حكمت: "إن أجمل الأيام هي التي لم تأت بعد" ولو كنت أعرف ماذا سيحل لأستعرت مسدسه الأسطوري ووضعت حدا لهذه الحكاية الشكسبيرية المملة.

المرة الثانية المفصلية والأخيرة هي قبل خروج اللامي الأخير من الوطن أواخر السبعينات وكنت خارجا توا من السجن على أثر ضيافة في الأمن العامة لأنني أعمل في السياسة قطاع خاص لحسابي ـ كما أنا الآن ـ بلا تنظيم ولا حزب ولا قبيلة ولا دكان تتن، وحين سألني "أين كنت؟" وشرحت، تمنى لي حياة أفضل، ولم تكن تلك اللغة الارستقراطية الصالونية سائدة بيننا ولم أكن أعرف ان اللامي قد حزم أمره وان (حياة أفضل) هي نعي ووداع وتمنيات بطول العمر في وطن صار طول العمر فيه هو دعاء بالعذاب.

إن تجربة الاستاذ جمعة اللامي ابتداءً من مجموعته( من قتل حكمة الشامي) ثم ( اليشن) و( الثلاثيات) و( المقامة اللامية ـ مجنون زينب) أو في مئات المقالات(بعضها: صدر في كتاب ـ ذاكرة المستقبل) وفي غيرها لم تتم قراءتها كما يجب الا من موقع غير نقدي من باب التمجيد أو التخفيض مثل أي أمر آخر في حياتنا الثقافية وفي غيرها في عالم الثنائيات العراقي الذي لا ينتهي: تجربة روائية وقصصية تمتاز بالمغامرة والتجريب والتجاوز والبحث المستمر عن اشكال تعبيرية جديدة واصيلة وكذلك التمسك العميق بالجذور وخاصة اليشن ـ تلال الجنوب الأسطورية ـ وقد يكون اللامي هو الوحيد من مجايليه الذي صار البحث عن مكان آمن وهادئ للاقامة والكتابة حلما عصي المنال حتى اللحظة، لذلك تكون العودة الدائمة الى اليشن، الجذر والماضي والحلم والأمل، تعويضا مستمرا عن خيبة المكان الجديد، كما كان انتقاله من الماركسية الى التصوف بحثا عن خلاص وقد لا يجد فيه انتقالا بل استمرارية.

هل هي مفارقة أن يكون الروائي أحمد سعداوي الشاب وهو من الجيل الروائي الجديد قد عثر، في روايته:( انه يحلم، أو يلعب، أو يموت) الصادرة في السنوات الأخيرة بعد الاحتلال على مكان يجمع فيه في لقاء واحد بين الموتى والأحياء يسمى( الهناناك) أي الهنا والهناك، لأنه لم يعثر على مكان حقيقي يمكن أسطرته ـ تحويله الى أسطورة كما فعل اللامي في اليشن ـ والسبب ان جيل جمعة اللامي كان يبحث ليس عن الأرض بل عن الحرية في رموز المكان، في حين ان جيل أحمد سعداوي حين يئس من هذه الحرية، صار يبحث عن مكان أسطوري بعد ان فقد في الاحتلال الأرض والحرية معا، ومن الملفت للنظر ان جيلين روائيين هربا أو حاولا الهروب الى الخارج والأستثناء الوحيد والنادر والملهم هو خضير ميري الذي انتحل الجنون للسبب نفسه وهو البحث عن حرية الذات في هروب الى الداخل وهو الخيار الأصعب والأكثر شجاعة اذا كان الجنون خيارا.

- الفصل القادم: جيل روائي جديد ـ خضير ميري والهجرة الى الداخل، من البحث عن الحرية الى البحث عن الأرض.






خضير اللامي

جمعة اللامي وجه جنوبي ميساني سومري ينحدر من عائلة فقيرة تكاد ان تكون معدمة . لها معيل واحد، هو رب الأسرة، يشتغل عاملا بسيطا .في منتصف عام 1958 هاجرت عائلته من مدينة الماجدية في ميسان الى بغداد العاصمة
وجد جمعة اللامي نفسه مقذوفا في خضم هذه المدينة.ذات الشوارع والمنعطفات والأزقة المتفرعة والمتقاطعة وغير المتناهية، غاصة بأنواع العجلات والمركبات المزدحمة بالمارة والملاهـي والبــــارات والنوادي والمقاهي الليلية والمراقص المضاءة بالمصابيح والنيونات الملونة بالألوان الزاهية والداكنة الخ.. والكنائس والجوامع والأكواخ الطينية والصرائف المبنية من مادة الصفيح .كان هذا الصبي يبحث بين هذه الأشياء عن الذات والوجود والحضارة والعرفانية والحركات السياسية تقدمية ورجعية وأخرى مستقلة, وهو لماّ يزل شابا في مقتبل العمر.وذات يوم تموزي قائظ ، اهتزت الأرض ودارت، وهرع الناس يملأون الشوارع والأزقة والساحات والميادين. ووجد هذا الصبي نفسه وسط هؤلاء مدفوعا معهم يهتف بسقوط الملك . وبحياة زعيم الثورة، كان هذا الشاب يبدو انه يحلم ببساط اخضر ممتد أمامه إلى ما لا نهاية ،كما كان يحلم تروتسكي ببناء الاشتراكية في العالم. وبعد أن هدأت الأمور وراح الناس يتعرفون على اتجاهات العسكر الجديدة وبرزت الأحزاب والمنظمات والحركات السياسية وصارت عملية الفرز واضحة لا لبس فيها، قرر أن ينضم إلى أحد الأحزاب اليسارية، وان يكون مناضلا شهيدا وهو حي كما يقول في" الثلاثية الأولى" وتمر سنون قليلة، على الوضع السياسي الجديد. وتحدث تحولات دراماتيكية جذرية وينقلب الوضع من حال إلى حال آخر ويجانب زعيم الثورة أعداء الثورة ويبطش هؤلاء الأعداء بأنصار الثورة وتغص السجون والمعتقلات بهم ويعلق البعض منهم على أعواد المشانق .من مدنيين وعسكريين . وكان جمعة اللامي في ذلك الوقت تطوع في سلك الجيش العراقي بدرجة نائب ضابط،، ولفقت ضده التهم واعتقل وخضع إلى عمليات تعذيب بشعة جدا . وقد ذكر لي انهم قد وضعوه في قبو دامس وفتحوا رأسه من أعلى هامته ووضعوا في داخله بعض الحشرات. وتبدآ مسيرة عذاباته وآلامه منذ ذلك الحين ويتحول إلى سفير سجون ومعتقلات يتنقل، من معتقل الخيالة، الى سجن الحلة ومعتقلات بغداد والحبانية إلى نقرة السلمان. ويكتب اللامي رائعته الأدبية " الثلاثية الأولى"ويحاول فيها أن يجسد قصة نضال حركة سياسية يسارية ويحاول أن يطرح فيها التحولات و الإفرازات النفسية والفكرية ، وحالات الإحباط ، والسقوط السياسي والأخلاقي ، والتبرؤ من المبادئ والثبات عليها فضلا، عن خِبَر وتجارب وفكر تلك الحركة. بداية يقول القاص فيصل عبد الحسن في مقالة له عن جمعة اللامي تحت عنوان : رواية ( الثلاثية الأولى ) إعادة صياغة الماضي وتعرية الدكتاتورية.يحاول اللامي ، في ثلاثيته أن يعيد إلينا صياغة الماضي بكل ما يحمله من عذابات ألام وفجائع ، وهذا اكثر من صرامة ودموية وشعرية لأنظمة تصفوية دكتاتورية تواصلت في حكم العراق بالحديد والنار حتى يومنا هذا ..أما جاسم عاصي فيذكر في مقالته ( مقامة المدينة وسيرة الشخصيات) والثلاثية مكتوبة عن حقبة معقدة وحساسة في تاريخ العراق السياسي ،لأنها تتناول في المعالجة نماذج إنسانية على درجة عالية من تشكل منظومتهم الفكرية وتجربتهم الزاخرة' في الميدان السياسي (ونجد هذا كله مجسدا في أعماله الأدبية والإبداعية وبخاصة في" ثلاثيته الأولى" .والتي تعد رائعته masterpiece وتنتمي في جنسها إلى ما يسمى في الأدب الغربي " رواية قصيرة" او" قصة طويلة" ولان جمعة اللامي يملك لغة صوفية مكثفة بامتياز ومشحونة بالمعاني والتجليات الصوفية والقرآنية والتراثية ، فقد اختار الروائي جمعة اللامي هذا الجنس من الأدب . واراد من خلال ذلك ان ينقل لنا تجربته السياسية المأساوية وما واجه من احباطات وسقوط أخلاقي لدى الآخر ويبحث جمعة اللامي، في رائعته هذه ، عن يقين واضح، بعيدا عن التلوث والانتهازية والسقوط الأخلاقي. بعد أن واجه سجون ومطاردات وقمع الأنظمة الدكتاتورية . واستطاع في هذه الرواية، ان يخلق لنا معادلات موضوعية لاعادة التوازن النفسي والفكري.. ويمكن لقارئ هذه الثلاثية ان يلاحظ بعض المعادلات الموضوعية بعضها واضح للعيان والأخر على القارئ ان يبذل جهدا لايجاده أما أنا فاجمل ما يلي من المعادلات الموضوعية..1. ألام، الأخت، الزوجة، الحبيبة معادلا موضوعيا: من الشخصيات الرئيسة في الثلاثية التي تشكل معادلا موضوعيا هي الام والتي يستعيدها المؤلف في حالات التأزم ومواجهة الموت : اذ استعيدها الان، من حضرة الموت لاتحدث عنها، -شقيقة روحي _ في حضرتك ، فلان روحها حلت فيك ، فانت الان، - امي وحبيبتي واختي- انت سمائي التي التحف، وارضي الطهور التي أتوسد، وأنت أيضا بساتين الرضا وغابات الشوق التي لا تفنى. وكانت هذه المرأة ألام صورة لجميع أمهات المناضلين ضد انظمة القمع والاستبداد ، فنراها ، تجري وراء ابنها في السجون والمعتقلات وقطارات الموت وعجلات الصحراءويسألها:ـ لماذا توقف النهر عن الجريان؟ـ انه يصلي لله يا وليدي .ـ ومن هو الله يا امي؟ـ هو.. هو.لم افهم ما قالته مريم بنت مطر في ذلك اليوم ، ولكن بعد عشر سنوات ، عندما كنت أهيم على وجهي فوق رمال ( سجن النقرة) وأنا اردد : يا هو.. يا هو. أدركت كم كانت أمي عظيمة بفطرتها ، كما أدركت أيضا أن طريقي إلى معرفة الله ستكون شاقة وصعبة. المعادل الثاني ، الابستمولوجيا ، او المعرفانية التي تعد لدى الموسوي او غريب المتروك ( جمعة اللامي) في الثلاثية عنصرا هاما واساسيا لمعادلة الوضع النفسي والفكري ، فهو يقول، أريد أن اصنع عالمي من جديد واخذ يزعق بقوة ، الثقافة هي الرد الوحيد على هذا التفتت وقلب هذا الوضع الى خيار اخر. ليس هذا انقلابا انه الوضع الطبيعي.المعادل الثالث ، والتصوف والموروث الحسيني ،كما يطلق عليه الدكتور محسن الموسوي.من خلال مجايلتي والتصاقي بجمعة اللامي قبل دخوله السجون لم يكن يعير اهتماما لثيمة التصوف أو الثقافة الدينية ، انما كان العكس من ذلك ، اذ كان موقفه يقترب من المعرفة العلماتية ، بيد ان الإحداث الجسام التي واجهها دفعته الى الاهتمام غير الطبيعي في قراءة المذاهب الصوفية كالحلاج وابن عربي والغزالي والنفري الخ..ولاحظت انه يكثر من شراء تلك الكتب في حقبة نهاية الستينيات.. ومن يطالع أعمال اللامي يلاحظ اللغة الصوفية طاغية في كتاباته الإبداعية وغير الإبداعية: " لقد أخذنا الماء الى بركاته ، أهديناه صمتا هو الرحمة الناطقة . صرنا الماء والصمت . لا ثالث لنا. لا قبل قبلنا ، ولا بعد بعدنا ، أنا أنت. وأنت أنا . يباركنا هذا" الفراغ الجليل " الذي صرناه واغتسلنا في نور مهابته. "الثلاثية الأولى." بعد ما تحول جمعة اللامي إلى حالة التصوف وكما يقول عنه الطاهر وطار صار متصوفا شيعيا، اذا،لا بد أن نطرق موضوع الخمرة التي هي الأخرى تشكل معادلا موضوعيا إذ لا أحد لا يعرف ما كان عليه جمعة اللامي من وضع نفسي وفكري وتأزم حاد بعد خروجه من السجن بعد انقلاب 1968، حيث تحولت ذاكرته كما يقول في الثلاثية الأولى الى " منقع للعذاب"ولم يكن على استعداد لينسى كل شيء ، في حالة الصحو ، فلا بد من البحث عن معادل موضوعي آخر لقتل هذه الذاكرة اللعينة .يقول ، أني أشرب لاطرد خوفي ، كلنا خائفون.العرق ، أنت تتذكره جيدا ، اذ كنت بلا يقين ، بعد أن غادرت السجن عام 1968، كنت تشرب حتى يغلبك العرق ، فتقع في الشوارع ، على الأرصفة ، على مدرجات أبواب السينما ، على ساق امك. في تلك الليالي حيث تسكن بغداد وتنام بيوت على اكثر من تواطؤ ، كنت اتنقل من شارع الى شارع لاجد نفسي في اخرحدائق قناة الجيش..( الثلاثية). بعد ذلك، تعد هذه الثلاثية سيرة ابداعية لكاتبها ولشخوصها وهي خطاب من أعماقه للآخر، بان ما حدث فيها في الوقت ذاته ،تهمه ايضا وانه وان كان خارجها فهي تبقى لصق جلودنا جميعا. فها هو يصرخ من قرارة اعماقه، وباعلى صوته: " يا سكارى المدينة ، أجيء كالحلم ، أمر على بيوتكم ، وليس لي الا الحب ، أوزعه عليكم ، فلقد أماتني أن أراكم متفرقين ، أماتني أن أراكم كالشياه ، ولقد ملأتم قلبي قيحا ، قتلت نفسي من أجلكم “.

حميد المختار / كاتب من العراق

مازلت اذكر جيداً وجهه الأليف القريب الى نفسي يوم رأيته اول مرة في عرس احد أقربائه في قطاع (33) لمدينة الثورة، كنا مجموعة من الفتيان الممتلئين شيطنة وحركة ومشاغبات، فجأة هبط علينا ذلك الوجه بسحنته المحببة، جمعنا في بوتقته الدافئة والملم ضياعاتنا الاولى في شوارع القهر اخذ يقص علينا حكاية (نيسناس)
المليئة بالشخصيات القردية في مجتمع حيواني مليء بالحكمة والحياة والصور انه عالم بديل عن عالم الانسان وهو في الوقت ذاته يعبر تعبيراً صادقاً عن عمق عوالمنا الداخلية كبشر، بعدها نهض وتركنا مذهولين، قيل لنا انه كاتب يكتب القصص والحكايات اسمه جمعة اللامي وهو قريب للحاج داخل الذي تربطني مع اولاده علاقات حميمة، منذ تلك اللحظة صرت ابحث عنه واتابع اخبار نسانيسه واقرأ كل مايقع بيدي من اوراقه حتى انني اخذت ابحث عن قصة (نسناس) الرواية الحلم حتى عثرت عليها ذات يوم وصارت تشكل احدى ثوابت قراءاتي الروائية، وتمر الايام واذا بي اعرف ان بيت اهل جمعة قريب من بيتنا وفي القطاع ذاته، عرفت مكان البيت وصرت اتخطف من امام الباب، فان كان مفتوحاً ابطأت الحركة وتراخيت امام فرجته المؤدية الى مشهد مألوف وغير بعيد عن البيوتات العراقية أملأ ان المح شكله وهو يجلس يقرأ او يكتب او حتى ينام، لكنني لم اره، بينما كان ابن عمي يجزم ان اباه الحاج كشكول كان كلما يستيقظ فجراً ليؤدي صلاة الصبح يجد جمعة اللامي نائماً عند عتبة داره لانه لم يستطع مواصلة المسير الى اهله حين يعود ثملاً من نادي اتحاد الادباء، فيضطر الى الاستراحة عند عتبة بيت عمي، لكن الاغفاءة تأخذه لينام حتى ساعات الصباح الاولى، فيقوم عمي رحمه الله بايقاظه من نومته الاثيرة واخذه الى بيتهم ليكمل مشوار النوم الطويل، اما انا فلم اره نائماً ابداً،كنت اراه يقظاً عطوفاً قلقاً، مستوخزاً في حركة لاتهدأ، لذلك رأى عمي رغم اعتراضه على سلوكه الغريب وثمالته المستديمة ان يرسلني اليه حاملاً منه رسالة توصية لتعييني في مكان يراه مناسباً لي ولانني والكلام مازال لعمي احمل موهبة في خربشات الكتابة اخذني الرجل من يدي مرحباً باشاً في وجهي بابتسامة اليفة طارداً معها كل غربة وخجل وتلكؤ خصوصاً حين علم بأن الذي ارسلني هو منقذه اليومي الحاج كشكول، وكان اللامي يعمل انذاك في القسم الثقافي باذاعة بغداد وكان يأمل بمنحي فرصة عمل هناك لكنه لم يفلح في ذلك فأصحو على مواصلة البحث حتى وجد فرصة سانحة في القسم الثقافي لمجلة (صوت الطلبة) وبالفعل تسلمت عملي هناك وصارت اتصالاتي به مستمرة سواء في التلفون او بالذهاب الى بيته الخاص مع اخيه صباح وكانت المفاجأة الابداعية حين وقعت في يدي مجموعتة الاولى من قتل حكمت الشامي) الصادرة عن وزارة الاعلام مطلع السبعينيات وكنت حينها في بداياتي الاولى، فانبهرت بها لانها كانت تحمل البذور الاولى للتجريبية العراقية شكلاً ومضموناً، بحيث ان الرجل استطاع بكل جرأة وفرادة - ان جاز لي ذلك ان يتناول يثمات تشكل توابات محرمة على الكاتب العراقي - خصوصاً التراث الشيعي والفكر الشيوعي - وغني عن القول ان الرجل كان نزيلاً في نقرة السلمان التي أوت قيادات القوى السياسية الوطنية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي. كانت امة العراقية الشجاعة بكدها وقوتها تذهب الى صحراء السماوة حيث السجن الرهيب محملة بوصايا الحب وبقايا المؤن والامتعة والملابس الى ابنها السجين السياسي القابع هناك، وقد وفق اللامي كثيراً في توظيف مناخات تلك التجربة المريرة في مجموعته القصصية المهمة (الثلاثيات)، اما مجموعة (من قتل حكمت الشامي) فقد كانت النور الاول الذي اخترق ظلمات السواكن والثوابت السائدة في القصة العراقية ابان الخمسينيات، انه الستيني المتوثب الذي اثار غبار المعارك الابداعية واسس مع رفاقه بناهم التحتية الموغلة في ؟ حداثوية شكلت خطوة اولى محطمة القواطع وفاتحة الافاق الواسعة امام شباب القصة العراقية ليقتحموا الحاصيل ويواصلوا مغامرات الشكل والمعنى والافكار، ولم يكتف عند هذا الحد فقد رافق زملاءه الذين كانوا معه في الكلمة والمنطق والصف فأحمد خلف وجليل القيسي ومحمد خضير وفاضل العزاوي وسركون بولص ومحمد عبد المجيد ليؤسسوا منهجاً جديداً في القصة ويوجهوا دفة السرية الى معالم اخرى وسواحل غريبة، واستمر اللامي في الكتابة حتى وهو يعيش عزلته الصوفية بعد وفاة والدته، فكتب مجموعة (اليشن) وهي الاخرى ارث المتصوفة (العرفانين) الشيء الكبير اضافة الى ترحاله المستمر الى منابع النشأة الاولى وموطن الاجداد ومساقط رؤوسهم هناك في ثرى الجنوب الثر بالارث الانساني النبيل وحكايا القرى التي كثيراً ماشكلت لنا ينابيع الخيال الخلاقة وتواصلت اصدارات اللامي في غربته الطويلة عن بلده ابتداءً من مقامته اللامية وحتى (مجنون زنوبيا) اضافة الى كتب مقالاته السياسية والفكرية التي اعطت للعالم صورة واضحة المعالم لما يحمله هذا المبدع من هم وطني وانساني متأصل في ذاته ومنطلق الى افاقه البعيدة ليعطي بالتالي صورته المثلى للقصة العراقية التي اعادت بهؤلاء المبدعين شبابها لاول ولادتها الجديدة.






مالك سعدونالبصرة –( أصوات العراق)

شهدت قاعة دراسات الخليج العربي في جامعة البصرة اليوم الأربعاء حوارات ساخنة ورؤى متابنة حول السرد العراقي ،ضمن فعاليات اليوم الثاني من (ملتقى السياب) .وشارك في البحوث التي قدمت خلال جلسة اليوم النقاد: فاضل ثامر وعلي حسن الفواز وجبار الحلفي وصادق ناصر الصكر ،فيما شارك في المداخلات والتعقيبات كل من: الدكتور علي عباس علوان والدكتور داوود سلوم والدكتور مالك المطلبي والقاص جاسم عاصي والشاعر جمال الهاشمي وآخرين .وتميزت حوارات اليوم بالجدية والحيوية ،والحرص على تناول مرويات نصية وأنساق سردية..كما تناولت العلاقة بين الزمن والسرد والفعل السردي ،ومناح مختلفة من جغرافية السرد العراقي .وقدم الناقد فاضل ثامر بحثا تحت عنوان (محاولة لصياغة الهوية السردية للمدينة) ، تناول فيه نصي القاصين محمد خضير ( بصرياثا) ومهدي عيسى الصقر (حكاية مدينة) في مقارنة إفتراضية لإعادة خلق وصياغة مدينة متخيلة... ربما تكون ( يوتوبيا) إفتراضية .وقال ثامر في بحثه "ربما تكون هي مدينة محددة ومحسوسة... ولكن من خلال استخدام مجسات وحبكات ومرويات تهدف إلى التغلغل في الزوايا الخفية والحية أساسا من هذه المدينة الفنتازية ،وبشكل خاص محاولة الاقتراب من أناسها ورموزها الثقافية والاجتماعية والتاريخية."وأضاف "وإذا ماكان كل مؤلف من هذين المؤلفين يعتمد أدواته واساليبه ولغاته الخاصة في بناء تضاريس هذه الرقعة الجغرافية – المكانية – الزمانية ،إلا أنهما ودون وعي مقصود يعمدان إلى خلق مايسميه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور ( بالبنية السردية) لهذه المدينة."ومضى ثامر قائلا "والهوية السردية في واقع الأمر جزء من نظرية سردية واسعة طورها( بول ريكر) في كتابه الكبير ( الزمان والسرد) ،وهي لا تتحقق إلا بالتأليف السردي وحده...حيث الفرد والجماعة معا في هويتهما من خلال الإستغراق في السرديات والحكايات التي تصير بالنسبة لهما بمثابة تاريخهما الفعلي ،حيث يصبح الزمن الإنساني هو الزمن الذي يعيد صياغة الهوية السردية."وتابع "وكلاهما لا يخفيان حضورهما السردي ؛ بل يعلنان من خلال الدخول في لعبة السرد عن فعل الكتابة السردية الواعي من قبل راو ضمني... ربما هو الذات الثانية للمؤلف أو قناعه ،فالمدينة تبدو لهما بكرا وكأنها تكتشف للوهلة الاولى... وهو مايمنح الرؤية تجددا وولادة بكرا."واعتبر ثامر أن النصين "غير تقليديين... تتداخل في فضائهما الاجناس الكتابية وغير الكتابية ،ويرتفع فيهما الوعي الذاتي بقصدية الكتابة السردية... وهو فضاء يمكن حسمه أو فهم مشروعيته جزئبا من خلال الاندراج ضمن مغامرة السرد النرجسي الذي اصطلح على تسميته بما وراء السرد أو ( الميتا سرد)."وخلص ثامر قائلا "وهكذا يشرع المؤلفان في نسج هوية سردية خاصة بهذه المدينة المتخيلة بمواد وبنيات ولبنات لسانية وسيميائية ودلالية من خلال حركة الزمن ،لكن دون إنفصال عن الواقع المادي والروحي والثقافي والمعيشي للمدينة وأناسها وتأريخها... وهو نسق زمني يمتد أفقيا وعموديا."وتناول الناقد علي حسن الفواز تجربة القاص جمعة اللامي قائلا "لايمكن تناول الحديث عن القصة العراقية دون الحديث عن اللامي ،الذي خضع للتجارب الحياتية بمدياتها القصوى: السجون ؛ التمرد ؛ إنهيار الايدلوجيا ؛ إنهيار المكان."وأضاف " تمثل القاص كل هذه الوقائع التي تداخلت فيها الكثير من الاتجاهات بريبة ووعي متعال في التجريب الصوري والروائي ،فتحول أبطاله الواقعيون الثوريون إلى أبطال يملكون أقنعة وقدر هائل من الإضطراب."وأردف الفواز قائلا "حيث تحولت آلية القص إلى نوع من التوتر... ونسجت ابطالا تراجيدين يحملون كل إرهاصات الرؤيا الجديدة."وزاد "لا أقول إن ( اللامي) يمثل ظاهرة متفردة... لكنه جزء من ظاهرة الاحتجاج في القصة العراقية التي أطلقها هو ومجايليه ،حيث شكلوا ظاهرة التحديث والخروج على المدرسة الواقعية بكل أشكالها... وهذا ليس بعيدا عن تأثيرات المد الثقافي العربي والعالمي الجديد الذي خلف نوعا من التلاحم الساخن بين التقليدي وبين وعي أكثر سخونة صنع وعيا ثالثا لم تكن له جذور راسخة."وأشار الفواز إلى أنه لذلك فإن كتابات تلك المجموعة ،ومنهم جمعة اللامي " نجد فيها الخروج عن المألوف والتجريب العالي ،حيث كانوا أشبه بمن يلامس الجمر... وربما كانت الخيبة والريبة هما من أنضجا هذا الوعي باكرا ،فقد وجد هؤلاء شقوقا سرية كان يجب أن يدخلوا فيها بما يملكون من تمرد ومغامرة... وانعكس هذا على كتاباتهم ،وربما تطورت بعد الستينيات ،وجمعة اللامي واحد من هذا الجيل الصاخب."وقال الدكتور جبار الحلفي في بحثه بعنوان ( تجليات الهوية العراقية... والتحديث في الرواية العراقية) ،والذي تناول فيه رواية القاص محمد خضير ( كراسة كانون) ومسرحية الكاتب الأسباني بويرو باييخو... فيما أسماه تناصا بين ( كراسة كانون) و(حلم العقل) .وأوضح أن "إقامة علاقات شكلية بين نص ونصوص أخرى ظهرت قبله بسنوات ،لا على هذا الإقتباس في الموضوع أو الإزاحة الشكلية... بقدر ماهو إنعكاس للتراكم المعرفي ،ومن ثم تكريس التجارب العالمية في الادب لموضوع محلي... وهو مايندرج تحت موضوعة تلاقح الثقافات."وأضاف "مثلما كشف بويرو بايخو العلاقة المتأزمة والمتوترة بين المثقف والسلطة المستبدة ،من خلال شخصية الرسام (غويا) الذي رفض كل المغريات من قبل الملك (فرناندو). ورغم إحضاره إلى الملك وحواراته معه ،إلا أن الرسام كان يتغيب ويقدم أعذارا بواسطة الاب (دواسو)... وكانت الضربة التي قطعت العلاقة القسرية بين غويا والملك عندما رفض الرسام أوامر الملك في أن يرسم زوجاته."وأضاف "وتشكل (رواية كانون) مع حلم العقل في موضوعها الأساس... وهو الإستبداد وإضطهاد المثقف ،فكما أبى (غويا) أن يكون رسام العائلة المالكة مع إدراكه لعواقب الرفض... فقد توارى محمد خضير خلف متاريس التأويل والتماهي ،فقدم نصا مفخخا بإزدراءالعنف... معبرا عن القهر بوصفه الموضوع الأساس في الحياة العراقية التي صادرتها السلطة."وخلص الحلفي إلى " تماثل المكان والسلطة ( السياسية) بين رواية ( كراسة كانون)و(حلم العقل) ،فالمكان والسلطة هما محور المادة الروائية في الرواية... كما هو في المسرحية ،فالمكان فضاء المدينة محدد تاريخيا... حيث نشبت الحرب ودمرت المدينة والإنسان."وبعد أن فرغ الباحثون من إلقاء بحوثهم ،اشتعلت الكثير من الحوارات الساخنة... بدأها الناقد علي عباس علوان رئيس جامعة البصرة قائلا "في تقديري أن أدباء أمريكيا اللاتينية ،مثل بورخيس وماركيز ،معظمهم قرأ ( ألف ليلة وليلة) وإندهش من روعة الحكايات الصغيرة داخل الحكاية الكبيرة التي تجري في نسق لولبي آثر وآخاذ."وأضاف "لكني أرى أن الاجانب ينهلون من تراثنا فيطوروه... ونحن لا نحفل بكل هذا."وأشعل الناقد الدكتور مالك المطلبي النقاش حين قال " أرى أن القاعة التي تناقش (علم السرد) قاعة غير محترفة بنسبة عالية" ،موضحا " نحن نزعم أن المؤلف الذي هو مالك تجاربه ونسقه... المالك الكامل للنص ،وهو موجود دائما على حافة النص."وأشار إلى أن التجارب " تتحدث عن نفسها بشكل مباشر دون حساب لغرض محدد."وعن تقييمه لبحث فاضل ثامر ،قال المطلبي "إن الاستاذ فاضل تكلم عن ( اللاهوت البنيوي) أكثر مما تكلم عن محمد خضير."وأضاف " نريد أن ندخل في عالم السرد لا في عالم التنظيرات السردية" ،مشيرا إلى أن بحث الناقد علي حسن الفواز " تحدث عن جمعة اللامي فردا... ولم يتحدث عنه قاصا."ومضى المطلبي قائلا "يجب أن ندخل في منظومة جمعة اللامي القصصية ،وعلينا أن نتكلم في الأنساق... وليس في ماقبل النسق."




جاسم عاصي
النص الروائي عبر تشكلاته واشتباك ثيماته، يتحول الى حاضنة لاستقبال المعاني من نصوص اخرى سابقة، من اجل الاثراء وفقا للتماثل والتطابق، فالنص من هذا الاعتبار ؛ هو ممارسة دلالية يمنحها علم العلامات امتيازاً، لان عملها الذي يتم بواسطته اللقاء بين الفاعل واللغة عمل مثالي، (1) ومثاليته متأتية من خاصية قدرته على الجمع والالتفاف والحيازة وقابلية الاستقبال اعتمادا على ذهنية وبنية قابلة للاثارة والتجاوز للنمطية، سيما حين تكون المعرفة ضاغطة ولامة لجزيئياتها اذ تعمل على تطوير امكانية المقاربة الابستمولوجية وحيازة وحدة المعنى مع معانى متعددة. من هذا يكون النص بممارته هذا الفعل الانتاجي؛ هو نوع من الحجاب، يتوجب على القارئ التوغل بعيدا في اعماق الحجاب وورائه من اجل الوصول الى حقائقه والامساك بالخطاب الواقعي المتخندق فيه. (2) لذا نرى مع الباحث والناقد (ناجح المعموري) في كون فترة غياب الاب النص بسبب تشابك مرجعياته والتوقيع وموت الاب، قد ساهما في بلورة وتعجيل التدخل التناصي بحيث نجد نصا كاملاً متشابكا مع نصوص اخرى.ان الاستعانة الاخرى- وكما عبر عنها (امبرتو ايكو) بالمشي الاستنباطي بين النصوص الاخرى، وهي محاولة استيعاب لهذه النصوص وتمثل معانيها وتوظيفها بحيوية دالة. وهذا ليس معناه وجود حالة عجز في التعبير والاحاطة عبر ذات النص المنتج – بفتح التاء- بل انها نوع من تشابك المعاني وتواردها مما يخلق نوعا من التجانس والتقارب لغرض تحقيق المعنى العام او المركزي، فالاتكاء هنا لا يعني حالة سلبية، وانما هو فعالية للاثراء والاغناء – حسب (لورونجيني)- وهو التحويلات التي يمارسها نص ممركز على ما ينشر داخله من خطابات متعددة، فالنص الادبي يستمد وظيفته من علاقة مزدوجة تشده الى النصوص الاخرى السابقة له والى انساق دلالية.من هذه المنطلقات النقدية نرى ان تعامل رواية (جمعة اللامي) الموسومة بـ (الثلاثية الاولى) مع النص السابق لها؛ كان نوع من تحقيق التماثل مع الموروث، وحصرا كان هذا التماثل مع نص ملحمة (جلجامش). وهذا الضرب من التناص كانت له مبررات موضوعية تتعلق بالجانب السايكولوجي لبطله (عزيز الموسوي) سواء كان هذا المبرر متاتياً من طبيعة النسق الروائي الحامل لحبكة الصراع ونمط التراجيديا متمثلة في الفقدان ام انه متات من حساسية نسق الحياة والارث الذي تحمله الشخصيات وهو ارث سياسي- ابستمولوجي وهي تعاني من تصدع العلاقة مع الوقائع المتسلط مما شكل حاجزاً امام تخطي المفهوم – الفكر- عنها باتجاه صيرورة التبادل المعرفي. وهذا المنتحى من المصادرة قد خلق انماطاً من ردرود الافعال ونعني بها الترددات على الذات بقصد التمرد على الواقع والعمل على اختيار التوجه، سيما منه المنحى التراجيدي الذي يذهب بالشخصيات نحو حافة الموت، سواء كان قرا- الاغتيال- او رغبة – الانتحار- هي في الاساس مدفوعة من قوى ضاغطة، ان فعل التناص في الرواية – حسب قراءتنا- كان استجابة للدلالة السياسية والفكرية التي وجدت شخصيات الرواية انها تمثلت مركز هذه الفعالية الهادفة لمصادرة كينونتها المعرفية والفكرية. ونموذج مثل (عزيز الموسوسي) له القدرة على امتصاص هموم الاخرين واستنبات حالة جديدة؛ هي حاصل تحصيل للطبيعة الاجتماعية والسياسية فيه، وبين هذه النماذج لان العلاقة بينهم لم تمن حسب النق الموضوعي في النص لتهمش هذا على حساب ذاك، وانما كانوا جميعا يعملون على مركزة المفهوم عبر ذهن وحاضنة (الموسوي) الفكرية، وبالتالي الحراك في الحياة وهم كما يبدون انهم يمثلون ظواهر سياسية وليسوا افرادا ذوي نزعات ثورية فحب واعني بهم (خالد الامين وغريب المتروك وكريم البقال). وهؤلاء شكلوا الحراك المركزي المباشر وغير المباشر وساهموا في دفع ذهن السارد او جامع النص الى حالة التماثل مع النصوص الاخرى عبر التناص معها، او ادخالها في حاضنة المنتج. اما الدافع المباشر لهذا التناص، فنراه مجسدا من خلال شخصيتين هما (مريم بنت مطر وتافرة عبد المسيح). فمريم تشكل لدى (عزيز) الذاكرة البدنية التي توحي ببراءة الماضي والنشأة وهي الصوت الذي حدده المكان الجنوبي بيئة الاهوار والبردي والماء وهي النموذج الموقظ لكل كوامن.(الموسوي). اما (سافرة) فانها الصورة التي اختزنت بين اطارها محتوى الحياة والواقع المر، وهي المفتاح الذي يعالج الباب ويوصل الى المحتوى المتوحش والقاسي للزمن الذي صاغ المصائر على الجور والمصادرة والظلم الاجتماعي لان هذين النموذجين بمثابة العلامة الواحدة في حياة (الموسوي) او سواه، ان اشتغال العقل المنتج استطاع ان يبلور هذه الصورة وسواه عبر نص ملحمة (جلجامش) متخذا من النص السابق علامة للضرب على خطل المعاش وانحراف الممارس- بفتح الراء وهي استعارة بلاغية تشد من ازر النص الروائي هذا، والميني على مستويات من العلائق النصية، ذلك باتخاذ بنية كتابة فيها مفارقة كبيرة، وخروج على مألوف السرد التقليدي. وما يهمنا هنا هو ضرب التناص حصراً.ان عملية الاسترجاع والتعاشق بين النص الحالي والنص السابق له تستدعيه حالات كثيرة، لكنها تتمركز في الخروج من ازمة الواقع، وذلك بالتعبير غير المباشر عن مفرداته متخذا من القناع اسلوبا لذلك، فواقع رواية (الثلاثية الاولى) محكوم بمثل هذا النوع من التحوط، سيما انها مكتوبة عن حقبة معقدة وحساسة في تاريخ العراق السياسي، ولانها تتناول في المعالجة نماذج انسانية على درجة كبيرة من تشكل منظومتهم الفكرية، مضافا اليها تجربتهم الزاخرة في الميدان السياسي، فكل واحد منهم- او كما درسنا ذلك في مقال اخر- كان قد خرج من تجربة مريرة باتباع اسلوبه في النضال نسقا سياسياً قاعدته الفكرية تشكل اساساً للأخلاق الاجتماعية والنضالية. ومن تقارب وجهات النظر فيما بينهم وتباعدها او اختلافاتها؛ تجسدت حالة عدم المقاطعة بل التماثل، سيما بين (الموسوي) و (خلوق الملا) على سبيل الاختلاف الفكري وبين بقية الشخصيات، مثل (الامين والغريب والبقال) من منطلق النسق النضالي – الاسلوب- غير ان كل هذا لم يدفع الى التقاطع بقدر ما دفع الى الاقتراب والتحاور وعكس الصورة التاريخية للحقبة من جهة، وسجل خاصية وطبيعة البنى الفكرية لكل واحد او طرف منهم من جهة اخرى. لكن المسالة المركزية في الرواية، هي اشكالية (عزيز الموسوي) الذي شكل مركز النص. فعلاقته بـ (سافرة عبد المسيح) تنم عن شد فكري باعتبارها حالة من الاستلاب والمصادرة، سواء كان لمسيحيتها ام لكونها باحثة عن الحرية في افضل اوجهها، ولانها وضعت في دائرة الاستغلال والاضطهاد الاجتماعي فانها توسطت المنطقة القلقة في المفهوم النفسي، وقلقها دفع الى قلق الامكنة التي تتواجد فيها. فالمكان عندها خالق لكل ما يؤثر على الشخصية من منطق النظرة السلبية للاخرين، لذا فـ (سافرة) بالنسبة الى (الموسوي) تشكل حالة القياس والاثارة يضاف اليها شخصية (مريم) التي اعطت الصورة الاكثر نقاء قياسا لصورة (سافرة). لقد كان حراك هذه الثنائية هو دوران حول المركز المتمثل في (الموسوي) مما بلور ثيمة الرواية في اتساع الرؤيا وتمركزها حول استدراج المعاني من الموروث يضاف الى ذلك ثنائية (الامين والغريب) ودورهما في احياء مثل هذه المعرفة المتمثلة في النص، وتعني هنا استثمار شخصيات فاعلة من ملحمة (جلجامش) لوضع هذه الثنائيات موضع الفاعلية والاغناء وذلك بزيادة وتيرة المعنى والتماثل مع التاريخ والتاريخ الاسطوري.ويمكن الوقوف على مديات التعاشق التناصي- ان صح التعبير- فـ (الموسوي) وبفعل الصراع والخيبات السياسية وشطحات فكره استدعته حالته هذه الى الميل الى الوجد الصوفي اولا، ومن ثم ابراز تأثير الشخصيات هذه عبر تماثلها مع الشخصيات الملحمية، وبهذا يمكن ان نفرز من خلال النسق حراكاً اخر يضاف الى النشاط المتعدد الذي حفلت به الرواية.ان التماثل في المشهد والصورة هو ما لجأ اليه المؤلف لعكس حالة مزيجة من التصوف في خصائص الغائب، متخذا من المرأة ذريعة لبث الوجد. فشخصية (الموسوي) تحاول ان تقرب الصور مع بعضها، وذلك بتقريب اطراف الخيوط التي تربطها، والتي ترتبط من حيث المعاني والتناصات بين ذات النموذج والنموذج الاخر. هذا التماثل هو ما يشيع حالة تسيد الموروث على انه الصورة الاكثر نقاء. وبهذا النقاء المطلق من معرفة الذات ومعرفة الاخر المتماثل معه ينتج لنا ظاهرة اثبات الذات على انها بكل خصائصها مصادرة من قبل قوى قاهرة، بمعنى ان محاولة التناص مع خصائص وافعال الاخر لا يلغي الخصائص الذاتية، بقدر ما يبرزها ويعطيها اولويتها.لقد افادت رواية (الثلاثية الاولى) من الموروث باعتباره محركاً معرفيا استطاع بقوتين - قوته الذاتية الكامنة في كل الموروث، وقوة صوت السارد في النص المنتج- ان يعبر ببلاغة غنية عن الهم الذي يشغل الشخوص من خلال مسرد الرواية. وكان هذا ناتجاً من قوة الفاجعة التي اقتربت عبر نسقها من الملحمة سيما خاصية التراجيديا فموت وفقدان الشخوص كان عامل تصعيد درامي اثارته الرواية، لانها اساسا معنية بسيرة (ديرة حلم العمر) كمكان متخيل وهي صورة (لليشن) مدينة المخيلة الاولى للامي، ذلك انها معنية بسيرة الشخصيات وكل هذا حقق مقاومة او ملحمة جسدت المأساة التي وجد السارد داخل النص والمنتج خارجه، ان التماثل والتناص هما خير طريق للرواية ان تعبر من خلاله عن ادق مرحلة في تاريخ العراق. فكان التعامل مع كل هذا بحساسية الشعر. واعتقد ان جانب اللغة عند (اللامي) يحتاج الى دراسة خاصة لانه عبر شخوصه ورؤيته للمكان والزمان ومسار الحياة، جسد نظرة يتملكها الشعري، اولنقل السرد الشعري لكي نكون اكثر دقة في ذلك. ان حجم المأساة التي جسدتها الرواية هذه، هو حاصل تحصيل لما جسدته مجموعتاه القصصيتان (من قتل حكمة الشامي واليشن) لانهما ايضا سجل امين لتاريخ المدن والنماذج الواقعية التي عايشت الحراك السياسي والاجتماعي انذاك. فكان (اللامي) خير مدون لما عاش مع جمع المثقفين والسياسيين الذين واجهتهم الحياة بقوة وواجهوها بكل حساسية الشعر واتساع الرؤيا.

رسالة من شاب ستيني


يوميات جمعة اللامي : رسالة من شاب ستيني
27/06/2009

“أحبك كثيراً، أقولها بإيمان، وأنقلها من حلم إلى حلم، ولا تعجبي إذا ما قلت لك
بأنني هجرت عالمي إلى عالمك” (ايلوار داغالا 1928)


أقول لك مسبقاً، أيتها الشابة المكافحة، إنني كنت أفضل أن أضع مقدمة لموضوع اليوم، بعضاً من رسالة جبران إلى مي، ولكن الكتاب الذي اسمه “الشعلة الزرقاء” غاب عن ناظري، واختفى بين كتب، أو ارتاح على رف عتيق، هو أمامي بيد أني لا أراه. والشباب، أي والله، أحلامه أمامه، لكنه لا يراها. وحتى الكبار كذلك. وستدركين هذا عندما تتقدمين في العمر، وتعرفين معنى تهدم الجسد، ومعنى الحكمة أيضاً. وإذ ذاك سوف تنادين: ليت الشباب يعود يوماً. بيد أنني أجزم، أنك لن تطلقي تلك الصرخة. فبعد ما يربو على الأربعين سنة بقليل، سأكون في عالم آخر، وأنت في عالم أرضي آخر، حيث يتم ايجاد حلول لمشكلات عديدة، من بينها الشيخوخة. وسيجدون حلاً لمشكلة الجوع، ومشكلة السكن. وربما تنتقلون إلى كوكب، أو كويكب، آخر، قريب منا لقضاء عطلة آخر الأسبوع. أو لتمضية شهر العسل. بيد أني أجزم أنكم ستتمسكون بالحب. ربما سيعلن أحد الأطباء، أنه اكتشف الجينات، أو الخلايا، التي تتحكم بدفع الانسان، للوقوع بتلك اللجة المعذبة والجميلة التي اسمها الحب. ربما. غير انه ومع عصابات المنع الكثيرة، وأوامر الحكومات، والقوات متعددة الجنسيات، لا يستطيعون منع انسان من الانتحار، إذا ما فقد حبيبته، وليس بمقدورهم منع عرض مسرحية “روميو وجولييت” أو “قيس وليلى” لأحمد شوقي. وربما يتاح لي رؤيتك من حيث لا تعلمين، ولا تدركين. تلك مشيئة الله تعالى. فلن تكون عزيزة عليه، أن أنفذ من أقطار السموات والأرض بسلطانه المبين، وألقاك في بغداد، أو القاهرة، أو مراكش، أو الشارقة. وإذا كان لديك بعض الوقت، أريد منك أن تعرفي أنك قادرة على احضاري إليك، في أي وقت، عندما تتكلين على الله، ثم تقولين: تعال. كل شيء قابل للتحقق من خلال الحلم، وبه. إذا ما استطعنا أن نعرف كيف نحلم.



إلى اللقاء يا صغيرتي.





جمعة اللآمي

www.juma-allami.com