الجمعة، 16 أكتوبر 2009


الاحد 2 - 9 - 2007

"أنا لها": هكذا تكلمت مريم


حسدت على أني قنعت، فكيف بي
إذا ما رمى عزمي مجال الكواكب
(الشريف الرضي)

مريم التي أعنيها هنا، هي “مريم بنت مطر”، التي عرفها “قراء” في رواية “الثلاثية الأولى” والتي تعرّف من خلالها عدد من القارئين إلى “غريب المتروك”، الذي اختار أن يعود إلى الرواية، الرواية الورقية، بينما فضل صاحبه أبو علي الماجدي، ان يبقى خارج الرواية وفي داخلها أيضاً.
يقول الماجدي: قدر الفتى من فعله
وكان قرار غريب المتروك، بحبس نفسه داخل عالم الرواية، مبعث تساؤل، ومصدر سؤال، ومحل تعجب، فكيف برجل، هو مخلوق ورقي، صار له مثل هذا الصيت الحسن، يعود إلى عزلته الخاصة، بعيداً عن هدير الواقع؟
اعذروني، إذا ما قلت إني أعذر غريباً المتروك في خياره، وأعتذر منكم لأني لا استطيع إلا احترام رغبة انسان، بل قراره الشخصي، في الذهاب إلى محبسه الخاص،وتكيته الشخصية، لأن حياته هي حياته فقط، مثلما هو قراره في العودة إلى الحياة الورقية، اختيار شجاع إذا ما قيس كل قرار بأسبابه وشروطه الداخلية الخاصة.
ولا يوازي قرار غريب المتروك، في جرأته وحسمه، سوى قرار مريم بنت مطر، في مغادرة الحياة الورقية داخل الرواية، ألى الحياة الواقعية خارج الرواية.
هذا يعني، انها جعلت من نفسها مقصداً للشكاة، وهدفاً للسعاة، ونقطة للطعن، وزاوية للإشارة، وركناً للإثارة، ومحطة للطهارة.
قالت مريم، وكنيتها: “أم عيسى”، بعدما سمعت بقرار المتروك ذاك: “أنا لها”.
هذا يعني، ان تقوم امرأة بدور رجل، وان تتصدى أمة لمسائل يقتحم الموت من أجلها الرجال. وفي هذا ما هو فوق طاقة المرأة، كما يرى بعض الرجال، وفيه عين العقل، كما يرى غير هؤلاء.
أما أبوعلي الماجدي، فيقول: “الخير ما فعلت مريم”.
أنا أوافق الماجدي.
فعلى المرأة في حياتنا الواقعية، أن لا تبقى حبيسة حياة ورقية في رواية، أو رهينة جهات لا تمت لها، تحت مسميات الأعراف والتقاليد المتوارثة.
ومن الأمور المفارقة، أن “ام عيسى” تجد في الشريف الرضي، صنوا لنفسها، وقريناً لروحها، ومكملاً لنزوعها الشخصي نحو الحرية والابداع وطلب المعالي.
وفي هذا يقول الماجدي: “أترانا بعد ذلك، نقول ان غريب المتروك، غائب، أو مغيب، أو رهين محبس؟”.
سألته: أبا علي، كيف اهتديت إلى هذا الرأي؟
قال الماجدي: “إنما نحن، الرجل والمرأة، من نفس واحدة، رحلتنا بدأت منذ حقب، لنصل إلى الانساني بعد البشري، وليكون الاثنان واحداً، بالحب والمجاهدة وقول الحق”.
جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
sharjah_misan@yahoo.com

الأربعاء، 14 أكتوبر 2009




ذاكرة المستقبل – جمعة اللامي


يا ثأر الله



أدوّم مثل جارح إفتقد الطّير
اهيج ، مزبدا ، مثل ناقة الله قبل عقرها
بي حزن زينب ، ورهافة إبن الأدهم
قلبي قطعة من صنّّين
ودمي كل شعر العرب .
راعدا مثل التكبيرة
ملتاعا مثل الخنساء
عطشا مثل العبّاس
منفيّا مثل صاحب الرّبذة
جوّابا مثل سلمان
غريبا مثل الحسين
منكربا مثل اسماعيل
مبتلى مثل ايوب
مامورا مثل نوح
مخانا مثل يوسف
مغدورا مثل عليّ
مطعونا مثل عمر
مصلوبا مثل الحلاّّج
محاربا مثل ابن ابي بكر
بازا مثل الكيلاني
ركّاضا مثل تابّط شرّا.... ،
وصابرا مثل الضاحية ,.

***
ايّها العرب :
انصبوا الناّموسيّات حمراء وبيضاء وخصراء وسوداء
مثل اعلامكم الوطنية ،
على اطراف بواديكم
وحول ارباض صحاريكم
وفي مخادعكم الزوجية
وعلى ارداف عارضات الازياء الاوروبيات المستضافات على قنواتكم البترودولارية
فالجيش الاسرائيلي قد جاء لتجحيشكم ... !

***
ايّها العرب :
مأبون من يترك بيروت وحيدة
مأفون من ترك بغدلد وحيدة
وخان القدس .

***
بيروت عنوانها ضاحية الله ، وارض عليّ
وأنصارها رجال الله .
ولا مقاتل في جنوب الله ،
الاّ وشرفه الحسين
فمن بشتري وطنه اليوم .. ؟
من يهب جمجمته لله ... ؟
ويتد في الارض قدمه ..؟!

***

من تشتري ، مثل زينب ، رؤوس اخوتها بالصبر،
حلّ عليها فطام رضيعها بسورة الأنفال

***
يالضاحية :
هذه ايّام ثأر الله
الشارقة : 5 حزيران 1982

------------

آخــر تحديــــث 2006-05-11
ذاكرة المستقبل
المُعَلم ...................... جمعة اللامي
وصَفْراءَ لَوْنَ التبْر، مِثْلي جَليدةٌ
على نُوَبِ الأيّامِ والعيشَةِ الضنْك
(رَهينُ المحَبْسَيْن)

“هل ملَلْتَ من سماع تخيّلاتي؟ أما أنا فأحبّ الحديث في هذا. آه لو تعلم مدى حاجة الريف الروسي الى المدرّس الذكي الجيّد المثقف. ينبغي علينا في روسيا ان نحيطه بظروف خاصة، ويجب ان نفعل ذلك بأسرع ما يمكن، اذا كنا ندرك أنه من دون شعب مثقف ثقافة واسعة، ستنهار الدولة كالبيت المشيّد من طوب لم يُحْرق جيدا، فالمدرسُ ينبغي ان يكون فنّاناً، ومصوّراً، متيماً بعمله. اما عندنا فهو عامل يدوي، شخص قليل الثقافة، يمضي الى تعليم الأولاد في الريف بالرغبة نفسها التي قد يمضي بها الى المنفى. إنه جائع، مقهور، خائف من ان يفقد كسْرة الخبز، بينما ينبغي ان يكون في وسعه الاجابة عن كل اسئلة الفلاّح. ينبغي ان يرى فيه الفلاّحون قوّة جديرة بالاهتمام والاحترام، وحتى لا يجرؤ أحد على الصيّاح فيه.. على اذلال كرامته، كما يفعل الجميع لدينا: الشرطي، والبائع الغني، والقس، وشيخ البلد، وراعي المدرسة، ومدير الناحية، وذلك الموظف المسمّى بمفتش المدارس، ولكنه لا يهتم بتحسن الأوضاع التعليمية، بل فقط بالتنفيذ الحرفي لتعليمات المنطقة. إن من الحماقة أن تدفع ملاليم لرجل مدعو لتربية الشعب.. أتفهم؟ تربية الشعب؟ لا يجوز ان نسمح ان يسير هذا الشخص في الأسمال، ويرتعش من البرد في المدارس الرطبة والمتهدمة، وان يختنق بدخان المدافئ السيئة ويصاب بالبرد، وفي الثلاثين من عمره يكون قد اصيب بالتهاب الزور والروماتيزم والسلّ.. عار علينا هذا! ان مدرسنا يعيش ثمانية أو تسعة اشهر في السنة كالراهب المعتزل، لا يجد من يتبادل معه كلمة، انه يتبلد من الوحدة من دون كتب، من دون ما يرفّه به عن نفسه. ولو دعا اليه رفاقه لاتهم بعدم الولاء. هذه الكلمة الغبيّة التي يرهب بها الخبثاء والحمقى، كل هذا كريه.. إنه امتهان لإنسان يؤدي عملا في غاية الأهمية. أتدري.. عندما أرى المدرس أشعر بالحرج منه بسبب وجله، وبسبب ملابسه الرثة. ويخيّل اليّ انني ايضا مذنب بصورة ما في بؤس المدرس هذا.. صحيح!”.
... وصمت، واستغرق في التفكير، ثم اشاح بيده وقال: يا لَهُ من بلد أخرق، “روسيانا هذه!”.
هذا مجتزأ من المقدمة التي كتبها الكاتب الروسي “مكسيم غوركي” سنة ،1904 لأعمال الكاتب العظيم: “انطون تشيخوف”. أما المتحدث المتحمس لحقوق المعلم الروسي، فهو تشيخوف ذاته.
ولو كان انطون تشيخوف ألم باللغة العربية، لختم مرافعته الراقية، بهذا البيت الذي “لأبي العلاء” من قصيدة له عنوانها: “الشمعة”:
فلا تحسبوا دمعي لوَجْدٍ وَجَدْتُه
فقد تدمعُ الأحداقُ من كثْرة الضّحكِ

جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
-----------

ذاكرة المستقبل
اشتباكات العشاق ...................... جمعة اللامي
“يا بني: نزهوا أقداركم، وطهروا أحسابكم عن دنس
الوشاة وتمويه سعايتهم فكل جانٍ يده في فيه”
(المأمون بن هرون)

عطف أبو علي الماجدي، صاحب العمر، على ر جل كان يسلقه بلسانه، فقرّبه إليه، وقضى حوائجه، وأمن عياله من غائلات الأيام، والله هو الأمين، المؤمن المهيمن.
حدثني الماجدي، قال: “وذات يوم، كتب إليّ ذلك الرجل رقعة يسعى فيها إلي منك”. انصرف الماجدي الى شغل في نفسه، فتذكرت قولاً بليغاً لعمر الفاروق في هذه الوجوه من البشر، لكني أبقيت القول العمري لنفسي قليلاً.
وما هي إلا لحظات حتى ابتدرني الماجدي: “أتدري، ما كان ردي على الرجل؟”. قلت: “الله تعالى، لا غيره، هو المطلع على السرائر، وما تخفي الأنفس”.
بان الانشراح على محيا صديق العمر، وقال: “كتبت له ما كتبه عمر بن الخطاب في مسألة مشابهة”.
سألت الماجدي: “ارو، رحمك الله، ما كتبه الفاروق”.
قال الماجدي: “يقال: إن رجلاً رفع رقعة الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يسعى فيها ببعض أصحابه، فوقّع فيها: تقربت إلينا بما باعدك عن الرحمن، ولا ثواب لمن آثر عليه”.
قلت: رحم الله عمر.
ولكن ثمة من يضرب الأمثال بهذا الخليفة العربي الراشد، وينسى اخلاق عمر والزمرة الصالحة من العرب والمسلمين، وقبل ذلك لا يطيع الله رب محمد وعمر، وسيد أسياد خير من في الدنيا والآخرة.
وصاحبي الماجدي وأمثاله، يفعلون الخير لأنه من خصالهم الفطرية، وهم لا يرجون من وراء ذلك شكراناً ابداً. وحتى لو أن أحداً طعنهم من خلف ظهورهم، فإنهم يظلون على طريق الخير والمحبة وتسهيل ما هو صعب. وقديماً قال بعض الحكماء: “المعروف الى الكرام يعقب خيراً، والمعروف الى اللئام يعقب شراً. ومثلُ ذلك مثل المطر الذي يشرب منه الصدف فيعقب لؤلؤاً، وتشرب منه الأفاعي فتعقب سماً”.
ولقد تلقيت قبل خمسة أيام رسالة على تليفوني المتحرك من حرة عربية، فتأخرت بضعة أيام في الرد عليها، وحدث أن أردت الرد عليها في ساعة مبكرة من صباح أمس، فقالت ابنتي: “تريث، أبي، الناس نيام، ومن الأحسن مخاطبة الناس وهم على صحو”.
قلت للفتاة النابهة: “يفديك أبوك”.
قالت الفتاة: “خير الاشتباكات ما كان في طلب رضا الله، ولو سخط عليك ملوك الدنيا، فإن سخطهم سيرتد عليهم”.
وبقيت مشتبكاً مع نفسي، مردداً قول أحدهم: “اعشقوا فإن العشق يطلق لسان البليد، ويسخي البخيل، ويشجّع الجبان”.


جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
sharjah_misan@yahoo.com
------------

ذاكرة المستقبل
الدّواء الدّاء ............................ جمعة اللامي
“الغزواتُ الوحيدة التي تدوم، ولا تخلق لنا الأسف، غزوات نقهرُ بها أنفسنا”
(بونابرت)
قال غريب المتروك: “أنت مدعو عندي على كأس شاي “كَركْ” في مطعم “جيتناد” وسوف أعرّفك على صديقي: “ساكثيفيل”.
قبلتُ. وبعد نحو ساعتين، وبين شوارع مدينة تنمو بسرعة، ووسط أقوام شتى، أوقف سيارته الصغيرة أمام مطعم هندي بالمنطقة الصناعية، وقال: “تفضل، وصلنا الى مبتغانا”.
مبتغاي كان أن أتحدث له عن معاناتي في الحصول على قائمة بأسماء أدوية تصنّع في أوروبا، لعلاج أمراض: السكر، ضغط الدم، ضغط قاع العينين، زيادة نسبة الدهون في الدم، تضخم البروستاتا، تصلب الشرايين والأوردة، وثمة أيضاً هذا الانخطاف السريع في قلبي، حين أرى أبدع مخلوقات الله طرّاً: المرأة.
قال المتروك: “هذا صديقي، “ساكثيفيل” الذي حدّثتك عنه”. أدرت عيني اليمنى الى اليمين قليلاً، فرأيت شاباً نحيلاً أسمر اللون، طاعن السمرة، يقف على يميني، مبتسماً ويقول: “أهلاً أرباب”.
سعل النادل، فعرفت أن “شيئاً ما” في صدره. قال غريب المتروك: “لا تخف، هؤلاء الهنود، الشيب والشبان، يحصلون على علاجهم وأدويتهم بثمن بخس، دراهم معدودات”.
يوجد بيننا، نحن العرب، من لا يتسوّق من “الجمعية التعاونية”، فالزيت يأتي من الضيعة، ومعه الزعتر والمخللات والزيتون والجبن، وغيرها. ويقول جاري السوري الذي من “جبل العرب”: “كل هذا من أجل أن أدّخر لأمرين: تأمين نقود الدواء، وعدم نسيان قسطي الشهري المسحوب على مرتبي الشهري، لاستكمال ديون كانت تعويضاً عن قطعة أرض اشتريتها في مسقط رؤوس الآباء والأجداد”.
قال غريب المتروك بينما كان يتناول شاي “الكَرك” الهندي: “إنه شاي ريفي، يشبه الشاي العراقي، أو رديفه المصري. ما عليك سوى طبخ منقوع أوراق الشاي الأسود لمدة ثلاث دقائق، ثم تحصل على شراب يعدل الرأس ويكيّف المزاج”.
عرفت من المتروك، أن مرتب الشاب الهندي مائة وخمسون دولاراً. وقال جاري السوري: “مستورة والحمد لله، هي فقط خمسمائة دولار”.
كان غريب المتروك قد قال لي: “سوف يدلك “ساكثيفيل” على طبيب هندي، وسيحضر لك الأدوية التي تريد من الهند مباشرة، أو من متجولين هنود، لديهم كل ما تشتهي”.
ثم قال: “صيدليات بشرية متنقلة”.
ضحكت لطرفته، وحزنت أيضاً لأنني لا أريد أن أشجع على التهريب، لأنني أعرف أنني أقوم بواجباتي كافة، بدءاً من دفع إيجار الشقة في موعده، وليس انتهاء بدفع قيمة ضريبة الزبالة.
ولكن من يعين العامل على العلاج؟
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
------------
ذاكرة المستقبا / جمعة اللامي
الاربعاء : 5 /12 / 2007
*****
من روضة " ديوان الكتاب "

الكتاب اذ ينطق

“أحييك يا ابن روحي، وابن الماء، يا عزيزي،
يا ابن صفحة الماء التي تفرّق بين الناس.
أنت، يا من تشبه كل أمنياتي ولكن ضعفك جعلك مصانا”
(بول فاليري)

منذ ربع قرن، تعودنا أن نكتب كلمات احتفالية، لكنها صادقة في مثل هذا اليوم، حيث نستقبل الصباح الجديد، كما كنا أطفالا نستقبل عيداً.
والحق، نحن أمام الكتاب، وعن يمينه وعن شماله، أطفال، نتعلم، ونعلم، ونشقى ونتعب ونكد، خصوصاً عندما يستقبل بعضنا، الذين لا يعرفون كدّ الأديب، وتعب الكاتب.
سيدنا عمر بن عبدالعزيز، رحمة الله عليه، عرف قيمة الكتاب، فكان أميناً لنفسه، شديداً معها، حاسماً مع قومه الأقربين، ثم إنه - وهذا شأن عال عنده - رفع الظلم عن العترة الطاهرة.
وهذه تجليات من تأدبه بالكتاب. كتاب الله العزيز، وكتاب الكون، وكتاب نفسه، وكتب العلماء الذين جايلوه، أو عاصروه، أو كانوا من الغابرين.
ولا يحترم الكتاب والعلم إلا مجاهد فضيل، وقطب سديد الرأي، ومصباح ينير الدجى.
وبعبارة تأويلية، كان عمر بن عبدالعزيز، مصباحاً، وإذا كان ثمة من لا يعرف حكاية مصباحيه، فليذهب منذ يومنا هذا، حيث الدورة السادسة والعشرون لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، ويسأل الوراقين عن حكاية ذلك الأموي القدير مع مصباحيه.
أنا، من بين جمهور غفير، عرفت بحكاية مصباحي سيدنا ابن عبدالعزيز، بعدما آليت على نفسي أن اقرأ ما أستطيع حول هذا الرجل العربي المسلم.
ولا أتصور رجلا يقول انه عربي ومسلم، ولا يتأدب بقول رب العزة: “اقرأ”.
ويا سعد من تأدب بالقراءة، كما أدب ربنا تعالى نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان قرآنا يمشي في الأسواق، كما تقول أمنا عائشة، رضوان الله عنها.
ولقد سمعت بقصة تشبه حكاية مصباحي سيدنا عمر بن عبدالعزيز، خطها أمامي صديق العمر أبوعلي حسن الماجدي عندما زرته في نهاية اليوم الأخير، من السنة الخامسة والعشرين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، العام السابق.
دخلت عليه حجرته فوجدته يكتب شيئا على قرطاس، فأعجبني الحبر الذي يستخدمه في الكتابة، فطلبت منه قطرات، فمد كفه اليمنى الشريفة الى محبرة أخرى، وقال “خذ من هذه الدواة”.
“لمَ” سألته. أجاب: تلك الدواة الأولى بها حبر حكومي، أستخدمه لأغراض الحكومة، والدواة الأخرى ثمنها من راتبي.

جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
sharjah_misan@yahoo.com
--------------------

2007-05-12
السبت
ذاكرة المستقبل
المأمون والعَبّاس .......................... جمعة اللامي

“جذور التربية مُرة، وثمارُها لذيذة”
(ارسطو)

رأيتُ أمارات ألم في وجه غريب المتروك، فقلت لنفسي: “هذا صاحبكَ به كدر شديد، فَسَر عنهُ بحكاية من الزمن القديم، لعل نفسه تطيب، وباله يرتاح، وخاطره يهدأ”.
لكن حركة من كف صاحبي اليمنى، اعلمتني انه يريد مني الذهاب الى صديقنا الماجدي. فولينا وجهينا شطر مزرعة الماجدي، بين الجبل والساحل، عند تلك “البقجة” التي لم يتفيّأ بمثلها “المتوكل”.
وكان “المتوكل” الخليفة العباسي المشهور بالبذخ والقصف ومجالس الشراب واللهو، يجلس الى نفسه ساعات وساعات بين أشجار تلك المزرعة وأطيارها وتماثيلها وورودها، وليس معه إلا الخاصة ندمائه وقيانه وغلمانه.
وكان المتوكل قد أمر أن يجري الزعفران من أفواه تماثيل الأسود والطيور والسباع، الى البحيرة الصغيرة التي يجلس عند حافاتها، حتى كان يوم خلت فيه أسواق بغداد من الزعفران، فتفكر حاجبه بحيلة، وهي أن وضع حبراً أخضر بالماء، فظنه المتوكل زعفراناً.
تبسم صاحبنا الماجدي، حيث كان يستمع إليّ، وأنا أروي بين يديه حكاية البَطَر العربية تلك، وقال: “ماذا وراء غريب المتروك؟” فرد صاحبي: “أريد أن أقول بين يديك حكاية المأمون والعباس والمرأة العربية”.
قال الماجدي: تكلم، رعاك الله.
جلس المأمون، قال المتروك، للنظر في شؤون الناس، فدخلت امرأة كانت تظلمت عنده أمس، فسلمت فردّ عليها المأمون السلام، وقال: أين الخصم، رحمك الله؟ قالت: هو واقف على رأسك، وقد حيل بيني وبينه. وأومأت الى العباس ابنه. فقال: يا أحمد بن أبي خالد، خذ بيده وأقعده معها. قال: ففعل ذلك، فجعلت تعلو على العباس بصوتها وتقول: ظلمتني، واعتديت عليّ، وأخذت ضيعتي. فقال لها أحمد: ما هذا الصياح، انك بين يدي أمير المؤمنين، تناظرين الأمير. فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه. فلم يزالا يتناظران حتى حكم المأمون لها برد ضيعتها، ثم قال: “يا أحمد، أرْدُدْ عليها ما جباه العباس من ضيعتها، وادفع إليها عشرة آلاف درهم ترمّ بها ما أراه من سوء حالها، وأكتب الى والينا وقاضينا بإرفاقها والنظر في أمرها”.
أما أحمد بن أبي خالد، فهو وزير المأمون.
والوزير من إمامه،
ومن أجل عين ألف عين تُكْرم.
جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
sharjah_misan@yahoo.com
----------------------

ذاكرة المستقبل
منزلة ما فوق الشكر ............................ جمعة اللامي

إذا أثنى عليك المرء يوماً
كفاه من تعرضه الثناء
(أمية بن أبي الصلت)
ما أشبه الليلة بالبارحة، وكل اناء بالذي فيه ينضح. وعلى نفسها جنت براقش. حياء الرجل في غير موضعه ضعف. ليس للرحمة معنى إلا العدل. ليس للقسوة إلا الظلم. اللسان سيف مرهف لا ينبو حده، والكلام سهم مرسل لا يمكن رده.
هكذا قالت العرب في أمثالها.
وقالت العرب أيضا: لا تستر على الشر.
وجاء في قولهم كذلك: لا يكون العمران، حيث لا يعدل السلطان، وقالوا: الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلل عقلك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك.
وقال أحد العارفين: البلاء سراج العارفين، ويقظة المريدين، وصلاح المؤمنين، وهلاك الغافلين، ولا يجد أحد حلاوة حتى يأتيه البلاء، فيرضى ويصبر.
وقال الحكيم العربي: من أراد الغنى بغير مال، والكثرة بلا عشيرة، فليتحول من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وأبى الله ان يذل إلا من عصاه.
وهذا بعض من نزهة قلب العارف، وقبس من نزهة المشتاق إلى الحكمة، المتوسل طريق قلبه إلى أهل الخلق والمروءة، والقابض على الجمر في أسواق العوام.
وهؤلاء غير مضاحيك الألقاب.
والفرقة الأولى يكون سيد القوم فيهم خادمهم، وعتابهم صابون القلوب. وحتى غضبهم فيه خير عميم، لأنه مثل غضب العشاق الذي هو مثل مطر الربيع.
أما الذي يتكل على غير زاده، فقد يطول جوعه.
وعنوانه المضاحيك الأفخم من رضي باحتلال بلده، وسكت عن هتك حرائر وطنه، ورضي بالسحت الحرام.
وسألني أحدهم: اكتب لي دعاء؟ فقلت: هو ذاك الذي ناجى أحدهم به ربه: “اللهم لا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا أستغفرك”.
وهذا هو عنوان مشهد الرضا.
والمضاحيك هم الجهال الذين عناهم الشاعر:
إذا الكلب لا يؤذيك إلا نباحه
فدعه إلى يوم القيامة ينبح
والأحمق “هبنقة” عاقل بين هؤلاء المضاحيك. ولا أحمق منه إلا دغة، تلك الجارية التي اسمها: “مارية بنت مغنج” التي تزوجت صغيرة، فلما جاءها المخاض “ظنت انها تريد الخلاء” وحكايتها معروفة عند الذين يتابعون فكاهات المضاحيك.
وللمضاحيك ألقاب وعناوين، وشنة ورنة، وزفة وهوجة، وسرادقات وهوادج. وهذا هو وجه من شغلته الدنيا، وحسم من اتبع هواه حتى نسي نفسه، بعدما نسي الله.
فأين المضاحيك من قول سقراط الحكيم: “ليس العاطل من لا يؤدي عملاً فقط، العاطل من يؤدي عملاً في وسعه أن يؤدي أفضل منه”.
جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
sharjah_misan@yahoo.com

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2009

ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" .......... جمعة اللامي
عالياً، أصوات المنشدين

كلَّما أحْكَمُوا بأرْضكَ فَخَّاً
مِنْ فخَاخ الدَّهاءِ، خابوا
(حافظ، في رثاء: “سعد”)

هذه الملايين السبعون، ثم الملايين الخمسة الأخرى المضافة من ابناء شعب مصر، تجد في الحراك الثقافي ضمن حدود الجمهورية، وفي خارجها أيضاً، تعبيراً عن آمالها واشواقها، وهويتها أيضاً.
لا تمرّ ساعة في يومنا ذي الساعات الأربع والعشرين، إلا وفيها نشاط ثقافي، أو مشهد تشكيلي، أو عرض مسرحي، أو آهة حرَّى، أو صيحة مكبوتة، أو صرخة صامتة، بمسجد السيدة، أو عند مشهد الحسين، أو في خلوة من خلوات العارفين.
والنيل شاهد على هذا الحراك.
ولقد وجد المثقفون والشعراء والفنانون العرب، في هذا المشهد المصري، الذي لا يستطيع أحد ايقاف تدفعه، وهل أحد قادر على ردم النيل؟ فضاءهم المرحَّل من اقطارهم العربية، إلى مصر ومنتدياتها ونواديها ومقاهيها وحاراتها، ومدنها العشوائية أيضاً.
في الأمسية الشعرية الأولى، في الذكرى الخامسة والسبعين لحافظ وشوقي، وقف الشاعر اللبناني جوزيف حرب، منشداً همومنا جميعاً: كان صوتاً عربياً بامتياز، حيث ترادف، الشعور الوطني اللبناني بالهموم العربية جمعاء، بمفهوم انساني نبيل لحرية جميع سكان هذا الكوكب.
وهو هنا، كما كان جوزيف حرب شاعراً باللهجة المحلية المحكية رديف الجمال أيضاً. وكذلك كان حيدر محمود، الذي من الاردن، والآخرون من العرب المشاركون في هذه المناسبة المصرية العربية.
غير أن صوت الشعراء المصريين كان متميزاً في قوته، ومتميزاً في انتمائه، ومتميزاً في عروبته.
هؤلاء يقولون ما يقولون، بحرية ومسؤولية والتزام بين يدي وزراء الحكومة، وأمام أنظار الناس العاديين، في حي “الزمالك” الشهير، حيث يوجد مبنى اتحاد الكتاب المصريين أو في “كرمة ابن هاني” القصر التاريخي للشاعر أحمد شوقي، الذي تحول الى متحف. في هذه الاماكن، ارتقى الشعراء والباحثون بأشواق العرب إلى فضاءاتها العالمية الرحبة.
أما في “ساقية عبدالمنعم الصاوي”، على النيل، فإن الشعر، والمسرح، والتشكيل، تجذب شباباً يصفقون للشعراء الذين لا يداجون، ويطالبون المجوّد بأن يجوّد أكثر، وهم يرددون مع شوقي وحافظ، الدعوة إلى التغيير، بل والتغيير الجذري.
في مقهى يتبع “المجلس الأعلى للثقافة” بدار الأوبرا المصرية، استمعت الى شاب مصري يقول لعدد من الضيوف العرب: “لا أقبل بأن يزوِّر أحدهم صوتي، أو يتطاول على هويتي، أو يسرق أموال الناس”.
وكان ذلك كله يجري في مشهد مكشوف، في الهواء الطلق وعلى مرأى ومسمع ممن جاء يرى ويسمع لغاية في نفس غير يعقوب.


جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com


ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" ........ جمعة اللامي

عصفور المقطّم


“أقيم الدليل على روح العدل، إذا وفيتُ كل
إنسان حقه، وقمت بما يجب له من توقير وثناء”
(حافظ إبراهيم - “الأعمال النثرية”)

من على كورنيش جبل المقطم، أطلْتُ النظر الى القاهرة، فرأيت منظراً عجباً، وسمعت ذلك الصوت الذي أخذ بألبابي بين مسجد فاطمة الزهراء، ومسجد رابعة العدوية، بمدينة نصر: عندليب يرتّل بعد أذان صلاة الصبح.
كان الوقت عصراً، لكنه كان عصراً غير وعر.
قالت السيدة التي دعتني مشكورة، على فنجان قهوة على هذا الجبل الذي ارتبط بأهل القاهرة، وبشعب مصر عموماً: في كل مرة أزور هذا الجبل، تأتي اليّ فكرة جديدة.
قلت: الجبال أوتاد الأرض.
قالت رفيقتي، وهي أديبة كاتبة: أرى في الجبال عصافير مغردة، لا ينبغي أن تسكن في أقفاص.
قلت: تقصدين أن الطيور لا ينبغي أن توضع في أقفاص؟
قالت: ولو من ذهب!
أعجبتني الفكرة، فأخرجت دفتري الصغير الذي كتبت على جلدته الثانية: “دفتر زيارة القاهرة، ابتدأت يوم الجمعة 16-11-2007”.
لاحظت السيدة: “فكرة جيدة، هذا الدفتر”.
كنت أسجل في حينها: “الإنسان قمم في قمة، مثل العصفور تماماً”. ثم التفت الى محدثتي: “هذه فكرة صارت تقليداً في حياتي، تعلمتها من انطون تشيكوف”.
صدح صوت العصفور من بعيد.
قالت السيدة: إنه يدعونا الى مبادرة ما، هذا العصفور. اقترحت على السيدة أن نغادر كورنيش الجبل، ونلجأ الى فضاء آخر.
وما هي إلا دقائق، حتى دخلنا في ظلال مقهى، تنبعث من إحدى جنباته نغمات موسيقا، يتواكب معها بين الحين والآخر صوت بلبل، كأنه يستغيث.
لمحت دمعتين في عينيّ مرافقتي.
قالت: “كيف نسجن القصائد الجميلة؟”.
وانطلق صوت العصفور من جديد، من دون أن أراه. كان يقيم حيث نقيم، وسط عتمة في هذا المكان الذي يوحي بالهدوء والطمأنينة.
وعاد الصوت الى أسماعنا مرة أخرى، وكأنه يستغيث فعلاً. فنهضت من مقعدي، وقلت لرفيقتي: تعالي نبحث عنه.
ولم نجد عناءً كبيراً في كشف موقعه.
قلت للسيدة: مولاتي، افتحي باب القفص!


جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com







ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" .......................... جمعة اللامي

سُلْطانُ وأدباءُ مصر

وللأوْطان في دَمِ كل حُر
يَدٌ سَلَفَتْ وَديْنٌ مُسْتَحق
(شوقي)

وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.
كان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاضراً بمبنى اتحاد كتاب مصر، بشارع حسن صبري، بزمالك القاهرة، عندما كان المؤذن يرفع الأذان لصلاة العشاء.
سألني سموه: جمعة، أين أنت؟
قلت: بمبنى اتحاد كتاب مصر، بالقاهرة.
ثم كان ما كان.
وها أنا أرويه موجزاً في كلماته أحياناً، تلميحاً في أحيان أخرى، تاركاً للزملاء في مصر، القول والفعل.
حدث ما حدث، بتوفيق من الله. فقد حضرت للسلام على رئيس اتحاد كتاب مصر، الأديب محمد سلماوي وزملائه، بمناسبة وجودي بالقاهرة، بتنسيق مع الصديق القاص إبراهيم اصلان.
وحين كنت أعرض للزميل سلماوي وعدد من زملائه تجربة العمل الثقافي بالشارقة، وبدولة الإمارات العربية المتحدة، رفع جرس هاتفي النقال، وكان على الخط الآخر من “قصر البديع” بالشارقة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.
استأذنت الزميل سلماوي، وأركان اتحاد كتاب مصر، بالانفراد في غرفة أخرى، واستمعت إلى صوت شيخنا وأخينا وزميلنا، يحدثني عن بعض شؤونه التي سبقت انعقاد أيام الثقافة الجزائرية بالشارقة.
كنت أنصت كثيراً، وأعلق قليلاً.
ثم قال: أدباء مصر وكتابها في قلبي. أنا أعرف هموم هؤلاء المبدعين. جمعة، أرجوك بلغ الأخ سلماوي وإخوانه، أن الشارقة قررت أن تتكفل بالضمان الصحي لكل أديب مصري يتعرض لمرض.
كان سموه، يحدثني بهموم أخرى، من بينها العراق الذي يعيش معه، منذ ما قبل الاحتلال، وهذا ما سوف أشهره على الملأ ذات يوم بعون الله. ولكل حديث أوانه، والمجالس أمانات.
وهكذا بحثت عن الأخ سلماوي، فقيل لي إنه يحضر حفل تكريم عدد من الأديبات والأدباء، أعضاء اتحاد كتاب مصر، لمناسبة يوم الكاتب المصري، الذي اقترحه نجيب محفوظ، في ذروة احتفالات مصر بذكرى أحمد شوقي وحافظ إبراهيم.
كتبت بضعة سطور، بما كلفني به صاحب السمو. وأودعتها يد الأخ محمد سلماوي، الذي أعلن بدوره: “أيتها الزميلات، أيها الزملاء، هذه بشرى لنا جميعاً من الشارقة، فقد تكفل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، بالضمان الصحي لكل أديب مصري، يتعرض لمرض”.
ثم دعاني إلى المنصة.
ضجت القاعة بالثناء على سلطان الأدب والمروءة والخلق العربي الأصيل، بينما كنت أغالب تأثري العميق، من مبادرة سلطان الأدب والعلم والثقافة، وكلمات العرفان من أدباء مصر لابن مصر والعرب، في يوم الكاتب المصري.

sharjah_misan@yahoo.com







ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" ............... جمعة اللامي

مجنونك الأخير


“كأني والهوى أخوا مُدامٍ
لنا عهدٌ بها، ولنا اصطحابُ”
(شوقي)


كأني كنت قبل “شوقي”، وقبل “قيس”، وقبل أول طلوع للشمس على أرضنا، وقبل أن يشرق نور النور على ذاته، رددت قول “شوقي”:
ليتني كنتُ رداءً
لكِ، أو كنتِ ردائي
وليتني، سيدتي، ومُنى روحي، ودنياي. يا مبعثي بعد مماتي، كنت نقطة “باء” زينب، وسكون “يائها” ودورة الأفلاك في “نونها”.
وليتني.
لكنني الآن، على مسافة نبضة قلب معنّى من صمتها الناطق، ووحدتها الآسرة، وعزلتها الفاتنة، وحزنها الأبيد، أحمل قلبي على راحتي، وأهتف صامتاً:
زينب.
قد نافسني في هواك العُشاق المهابيل، وتبارى معي لنيل رضاك، ملوك المخابيل، فلم أحفل، ولم ألن، ولم أعر سمعاً لكواسر المجرات، وصراخ المسوخ، وتقدمت إليك، إلى حيث انت، عند باب الأنوار، بجوار الكرسي، عند خشبتي الراعفة، وقلبي يعلو صراخه: زينب، أنا مجنونك الأخير.
أهو حلم، أم سحر حَرْفَى “كُن”؟
ثم كنتُ، زينب، سيدتي، الرضيع الذي شاخ في مهده، و”الحاء” و”الباء” قبل أن ينطق بهما جنّي، أو إنسي، وأنا يلفني قماطي، عندما ألقت بي مدبرة المنزل عند سور المدرسة، فدُرْتُ مع “النون”، لتدور معي الأكوان، هاتفة: زينب.
ويوم ألقوا بي في القيد،
يوم حفوا حاجبي، وألبسوني تلك الأردية الحمر،
يوم أراد الجلاد تعصيب قلبي،
يوم وقف الملقن بين عيني فعل “كُن”،
يوم بعث من في القبور،
يوم نادى المنادي: من عاشق غيري في مُلكي؟
خلت أني المنادي والمنادى
ها أنا، دورة الحب في محبسك،
أنا محبسك،
وأنتِ، أنتِ، وكفى
وكفى بي عاشقاً،
أو نائحاً،
وحسبي أن أكون، زينب، إذ أقف الآن، بين “الزاي” و”الياء” أو بين “النون” و”الباء” مجنونك الأخير.

جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com





ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" ................. جمعة اللامي

آخر الأنهار


“ما حطّموك، وإنما بك حُطّموا
من ذا يحطّمُ رَفْرَفَ الجوْزاءِ؟”
(شوقي، في رثاء “حافظ”)


كانت شمس مصر في كبد السماء.
بل قُل، يا صاحبي، كان ضريحه، لحظة شاهدته، شمس كل الدنى، وقمر كل سماء.
السلام على جمال.
السلام على أبي خالد.
السلام على النقيّ، الشهيد، الفقيد، حارس أبواب مصر، وأمل الفقراء والمقهورين.
السلام على هذه النفس الزكية، والسيرة غير المنسية.
السلام على جبهة هبة النيل، كنز الوفاء، وسراج قنديل القناديل.
السلام على عبدالناصر.
أأدخل، أبا خالد، في ضريح المنشية الآن، أم أنني دخلت قلوب أحرار الدنيا، يوم عرفتك؟
أشهد - عبدالناصر - أنك صنت العهد، وحفظت الود، وأديت الأمانة.
وأشهد، أنّا يتامى بعد رحيلك.
وأشهد أنك النيل، وبورسعيد، والأوراس، ونداء النفساء في العراق.. وأنك النيل الأخير، وآخر الأنهار.
وأشهد، أنت الجنوب.
وأنت، أشهد أمام الله، أنك المقاومة.
وأشهد أنت الصائح في بيروت، والصارخ في بغداد، والمنادي في القدس: هيهات منا الذلة.
يا شمس العرب غير الغاربة.
يا ضمير الشمال، والشرق، والغرب، والجنوب.

يا ترياق القلوب.
أشهد أنك المشهدُ والشاهدُ، والنقطة المتجددة عند خطوط راحات أكفّنا، وأنك دليل الجنود التائهين في صحارى العرب.
نحبك - عبدالناصر - ولا نُوَثنكْ.
ونحيي ذكراك - أبا خالد - ولا نُصَنمكْ.
وها أنا عند مثواك، أراك بعين الفقراء الى الله، وأشاهدك بقلوب الغالبين، علماً على راية لا غالب إلا الله، مصحوبة بنصر من الله وفتح قريب.
السلام على فجر المقاومة في كل صوب.
والسلام علينا وعلى شهدائنا الأحياء.
السلام على ضجيع المنشية.
السلام على الأمل.
السلام على عبدالناصر.


جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com







ذاكرة المستقبل
من روضة "أم هاشم" ............ جمعة اللامي

مصر التي في القلوب


“النهار له عينان”
(مثل شعبي مصري)

من مطار دبي الدولي، داخل الطائرة المصرية، يوم الجمعة الماضي عصراً، أدركت انني في مشهد مصري غير منته: كل كلمة، كل لفتة، كل سمراء، كل ظرافة أو طرفة، كل شاب يحمل حقيبة، كل فقير، وكل قط سمين، .. و.. و.
.. وكل قلب مُحب يتذكرك يا مصر.
قال جاري الشاب: “يا عم، لا شكر على واجب. أنت في بيتك، كلنا أولادك”.
كان الشاب المصري قد رفع حقيبة يدوية صغيرة، فيها بعض اشيائي الصغيرة جداً، والخفيفة جداً، أربعة مجلدات تعينني على اختيار مقدمات “ذاكرة المستقبل”، كتاب بول ايلوار “قصائد حب”، كتاب همنجواي “عيد متنقل”، وكتاب عن “سيرة بورخيس”.
كذلك أوراق خاصة بالطوارئ: أدوية، وتعليمات في حال ارتفاع نسبة السكر في الدم، او ارتفاع ضغط الدم، وعقاقير لكليتين اقتربتا من التلف، وخريطة طريق في كيفية التعامل مع العمى المفاجئ.
من أجل هذا اصطحبت سيرة بورخيس: الأعمى المدهش. سيكون لبورخيس حديث آخر في يوم قابل إن شاء الله.
قال جاري الشاب: “قلوبنا مع العِراء”.
إذن، فضحتني لهجة تنفسي.
أضاف الشاب مواسياً: “نفسي أزور العِراءْ”.
“ليش؟”.
أجاب الشاب: “خير بيتي من لحم كتافكم”.
غصت في مقعدي، وحسبت ان الشاب يحدثني عن بلد لا اعرفه.
- “ليه بتضحك، يا عمّ؟”.
- “ماكو بلد اسمه العِراءْ”.
- “متأسف”، قال الشاب، وهبّ واقفاً وقبلني فيما بين عينيّ.
أخبرت الشاب أني أريد أن احدثه عن “شيء ما”، إن كان لديه استعداد، فرد فوراً: “أيوه، يا عم”.
قلت: استاء احد النواب الملكيين في برلمان نوري السعيد، من خطبة كان يلقي بكلماتها أحد نواب المعارضة العراقية تحت قبة البرلمان ببغداد، تردد اسم العراق فيها كثيرا، مع شتم الاحلاف العسكرية، والدعوة للوقوف مع مصر والجزائر والخليج العربي والسودان، والهنود الحمر.. أيضاً.
علق النائب الملكي: “لا تكسروا “عين” العراق، “عين” العراق مرفوعة دائماً، أما في برلمان “التحرير” و”الفيدرالية” الحالي، فالمال السياسي تحت الجبة والعمامة، سواء بسواء”.
قلت للشاب المصري: “انهم يبيعون العُراق”.
وفي الطريق الى “مدينة نصر” حيث اقيم، كان صوت مرافقي يقول: “بكرة تشوف بالنهار” بينما كان قلبي يهتف: “عمار يا مصر”.


جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com



















ذاكرة المستقبل
حول رطانة بقايا الشموليين ............. جمعة اللامي

“نفسي مع كل نفسٍ، تجهرُ بأنّ الحقيقة هي وطني”
(لامارتين)


أقرأ بين موت صديق، ورحيل رفيق عمر، نعياً معداً سلفاً، لا تنقصه الصرامة اللفظية، ولا تعوزه الاستذكارات التاريخية، ولا تفارق ديباجته، كلمات مثل: “الشاعر الكبير” أو “الهندي الأخير” أو “الساموراي الأخير”، أو “الأمريكي الأخير”.
وساهمت وسائل الاتصال الحديثة، في إشاعة خطاب يركّب على الحزن وعلى الفرح على حد سواء، سهل الاستعمال، ليشمل الجواهري، أو شوقي، أو رامبو، أو شاتوبريان، أو أحد الذين ينتظرون موتهم المؤجل.
هذا هو خطاب بقايا الرموز الثقافية للحرب الباردة، الذين كانت مناراتهم الهادية ذات يوم، مقررات المؤتمر الأول، أو المؤتمر العاشر، أو المؤتمر ما بعد العشرين، لهذا الحزب الشمولي أو ذاك.
ومن واقع معاش، خارج الأسوار وداخلها، وأصحاب الأسماء معروفة لهؤلاء الشهود الأحياء، لم أسمع من هؤلاء، جملة واحدة، نعم جملة واحدة صحيحة، تلتزم الحق والحقيقة، بشأن شاعر عراقي، مثل بدر شاكر السياب، مهما كانت أخطاؤه السياسية وأسبابها، بحق حزب سياسي ما، لا بحق وطنه وشعبه.
أحتفظ بذكريات شخصية لا يمكن ان تمحى من سجون نقرة السلمان، والحلة، وبعقوبة، والموصل، عن تلك الشتائم المريرة، والأوصاف البذيئة المستهجنة، بل وحملات الدس والتكريه المبرمج، بحق مجموعة من الشعراء والكتاب العراقيين، لأنهم كانوا لا يريدون تصنيفهم مع “ثقافة القطيع”.
كثير من الناس لا يزال على قيد الحياة. وهؤلاء لا تزال “ذاكرتهم خضراء”، بصدد تعميهات التلفيق، ونسج الأكاذيب، واختراع القصص المهينة للكرامة الإنسانية، التي قيلت بحق مجموعات ثقافية عراقية، من مدارس مختلفة، بعضهم لا يزال على قيد الحياة.
تلك هي رطانتهم العراقية، سابقاً والآن.
أحد اصدقائي الخلص، الذي عرفته في سجن سلمان، بعدما تخلص من سجن نسخة “توده” الشاهنشاهي، كان لا يسلم من بذيء الكلام، حتى وهو في دمشق عند مطالع ثمانينات القرن الماضي، والشهود على هذه الحفلة الدموية كثير بينهم فلسطينيون.
ولقد أصابني الهلع الأكبر، عندما عرض بين يدي، أحد قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدمشق، النسخة الأصلية لرسالة من مسؤول أحد الأحزاب العراقية، بفصل كاتب عراقي من مجلة “الهدف” بسبب اختلاف في الرأي.
صاحب الرسالة يعرف، وضحيته يعرف أيضاً، كيف أعيد ذلك الكاتب الى عمله، بعدما كان البصل والخبز قوت يومه المؤلف من خمس وعشرين ساعة.
بدعة هذه الأيام ان بعض ورثة ثقافة التصفيات الأخلاقية، افتتحوا بازارات لنعي الكتّاب والشعراء العراقيين الذين يعانون من أمراض جسدية، وهم على فراش “الموت المؤجل”.


جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com


























ذاكرة المستقبل
الفرح ليس مهنتي .............. جمعة اللامي


“كمون الحقد في القلب، ككمون النار في العود”
(ابن المقفع)


العنوان “الفرح ليس مهنتي” هو لقصيدة كتبها الصديق الراحل محمد الماغوط، الذي صار بعد ذلك عنواناً لأحد كتبه.
لم أسأل الماغوط: “لم أخترت ذلك العنوان؟” لأنني أعرف مسبقاً أن “هذا السؤال ليس مهنتي”، مثلما الترويج للسهولة في الكتابة “ليست مهنتي”.
بعضنا، أقصد الكتّاب، يسجل بجواز سفره، أنه “كاتب” للتعريف به الى الدوائر ذات العلاقة. وهؤلاء ذوو حظ عظيم، إن هم وجدوا من يفرق بين مهنة “الكاتب” الروائي، ومهنة “الكاتب” في دوائر أخرى لا علاقة لها بالإبداع الأدبي.
وفي العادة، فإن وجود كلمة “صحافي” أو “كاتب صحافي” في جواز سفر أحد المواطنين العرب، يشكل “خريطة طريق” لمشكلات لا حصر لها، اذا ما صادف حامله جاراً في رحلة، أو رجلاً مكلفاً حماية الأمن عند أحد ثغور العرب. وما أكثر ثغور العرب غير المحصنة في هذه الأيام.
أغلب زملائنا لهم قصص طريفة أو محزنة، أو تدل على سُخف في احيان كثيرة. من تلك المرات الطريفة، أن رجلاً تبدو عليه الأناقة المفرطة في ملبسه، سألني: “شو يشتغل الأخ؟”.
قبل أن أعرض بين ايديكم جوابي، أقول ان الرجل السائل كان يسب الاستعمار الشرقي، والاستعمار الغربي، بكل ما أوتي من علو في الصوت، حتى خلت أنه ينافس محرك طائرة “الجامبو” التي كنا نمتطي صهوتها.
لكنه أعاد سؤاله: “شو يشتغل الأخ؟”.
قلت: صحافي.
ابتسم ابتسامة عريضة، وقال: “يعني مثلي؟”.
سألته: أنت زميل لي، اذن؟
هز رأسه، وابتسم حتى بلغ طرفا برطميه شحمتي اذنيه، ثم دخل في صمت عميق.
فضلت السكوت. ففي سؤاله الأول، كان شيئاً يمكن الاصغاء إليه من باب الأدب. وردي عليه كان من باب الأدب أيضاً. أما إدارة حديث في طائرة حول “مهام الصحافة العربية وتحديات المرحلة”، كما يدور في أغلب المؤتمرات الصحافية العربية، فذاك “ليس مهنتي” ابداً.
وهكذا ارتحت لسكوته. لكنه فاجأني: “شو هو اسم صحيفتك، يا أخ؟”.
قلت مازحاً: “واشنطن بوست”!
استفهم الرجل مستغرباً: “شو، شو قلت؟”.
أخبرت جاري الطائر: “قيل لمدام كوري، ان راتب رئيس قسم في محل لبيع الملابس يساوي راتبك. قالت: أعلم ذلك، لكنني أمارس مهنة جديرة بالاحترام”.
سألني جاري: “مين كورا.. هاي”.

جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com







































ذاكرة المستقبل
العجوز ماكاماك الطيّب ................. جمعة اللامي

“الحياة التي لا فائدة منها، موت منكر”
(غوته)

لطالما أحببنا أمريكا، نحن الملايين من العرب، ليس لأن فيها من يحبنا، أو يقف إلى جانب قضايانا العادلة. بل لأن فيها مواطنين تزداد الولايات المتحدة شرفاً بهم. ولسوف نتذكر اشخاصاً أمريكيين، من السود والبيض والصفر، ربما عنوانهم عجوز سبعيني اسمه ألدون ماكاماك.
غير أن ازدراءنا للسياسات الأمريكية غير المنصفة، وغير العادلة، واللاأخلاقية في بقاع معروفة من هذا الكوكب، لا يطال نماذج ماكاماك، وينظر باحترام الى اولئك الرجال، وهاتيك النسوة، الذين تعني امريكا لهم: الحرية والكرامة والعدالة.
لقد تعلمت، كما أجيالنا الأدبية العربية، بعد الحروب الأمريكية في العالم، من “كيرواك” كثيراً.
تعلمنا منه، كما من زملائه الذين شتموا السياسة الأمريكية بالقرب من البيت الأبيض، معنى ان يحب مجموعة الشعراء والكتّاب من زملاء “كيرواك” بلادهم، وهم يوجهون الى سياستها في فيتنام، أشد النعوت وأقسى الكلمات، ولا يبالون بأي شيء.
هؤلاء هم الأمناء على كراماتهم الشخصية، المدافعون عن تسوية شعب جمع بين أفراده الحلم بالحرية والعمل بحرية، والتفكير بحرية، والسفر بحرية، رغم زحف “ثقافة المصارف العملاقة” و”الشركات متعددة الجنسيات” و”السجون الفضائية” ورعاية “الإرهاب.. في منابعه الأولى”.
هل نذكّر بأولئك الرجال من وكالات الأمن، وشركات القتل، في افغانستان؟ من الذي ربى النمر الصغير في جحر غيره، ليجعل منه رعباً كاسراً في “الحدائق الخلفية” لأمريكا؟
“الحدائق الخلفية” لأمريكا التي يشتمها “كيرواك”، وهي غير امريكا - ماكاماك - هي بلدان الماء الفقيرة، وأقطار الطاقة الأكثر فقراً، وأصقاع الخوف والعوز والتخلف، التي جعلت منها السياسة الامريكية “قواعد ثابتة”، أو “بارات ثابتة” أو “سجوناً سرية”.
أشهد أن العجوز ألدون ماكاماك، ذا الأعوام السبعين والسنة الأخرى المضافة، متشبّع بأخلاق دينه، وهو ربما لا يفهم الدين كما أفهمه أنا، أو كما يعرفه بعض الذين يحولونه الى اقصاء ل”الآخر”، ولكنه أمين، وأمين جداً هذا العجوز.
وهل صفة حميدة، هي الأمانة فعلاً، تصلح عنواناً لذلك العجوز الأمريكي الطيب.
ذكرت صحيفة “مونسي ستار” ان ماكاماك الذي من مدينة “نيوكاسل” بولاية انديانا، أراد صرف دولار واحد في جهاز تبديل العملة للحصول على اربعة ارباع، لوضع اثنين منها في جهاز غسيل السيارات الآلي، فتدفقت من الجهاز ارباع بلغت قيمتها 250 دولاراً.
قالت الصحيفة إن ماكاماك سلّم الدولارات الى مركز الشرطة، وأخذ حقه فقط.
يقول الماجدي: أرفع عقالي، تحية لهذا الأمريكي الأمين.


جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com






ذاكرة المستقبل
أمير الزمان ............................... جمعة اللامي

“اعلم أخي أن النقش هو النقاش”
(فريد الدين العطّار)

ما أصعبها، وحدة أمير زمانه.
أقول وبالله التوفيق ومنه، كما قال أبوعلي حسن الماجدي، بلسان “العطار”: “لا أحد يفقه سر اللغة التي بيني وبينك.. عالمك وعالمي وراء الإدراك”.
الماجدي، صاحبي الذي يعرف أن اللغة سجن، وأن الجسد سجن، وأن المال سجن، وأن الدنيا سجن، يلقي بنفسه، وليس بجسده فقط، (في) كل ما يخشى منه الناس.
إنه بحر، يقف خارج الوقت، ولا ينام في وقت. فالبحر صامت بينما يمزقه الحب إرباً إرباً، فتختبئ جواهره في جوهره، ليصير هو الصياد والطريدة.
من كان منكم طريدةً، فليذهب الى آخر أهراءات الغابة، ولينفِ نفسه، وهو في حضرة الجزيء الذي لا يتجزأ، لأنه صار نقشاً، نسيه النقاش، ومضى الى حال سبيله.
بالله عليكم، أيها الملوك المتوّجون، وأنتم يا أمراء الزمان الأرضيون، إذا ما لقيتم غزالتي في براري بلدانكم، فقولوا لها: “يا مريم، غيبكِ الغَيْهبُ، فصرت الخط والنقطة، ونام الخليّون بلا خلان: وحدي أنا المسكون باللامعرّف، أتعرف عليه، في مجمرة روحي، وبراكين غلطاتي!”.
تقول مريم: “الشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقصده، والحقيقة أن تشهده”.
وأقول: الماجدي.. المحبة بين السماوات والأرضين، حيث اللامعرف، واللاموصوف، يهرول بروحه نحو الأرضه، النسبي، المعرّف، والموصوف: الإنسان.
تقول مريم: قُد قلبك، وامحُ نفسك، واقتبل محبوبك، وذب في إهابه، فلا منزلة تليق به بين منزلتين. ما يليق به هو نقش شاهده نقاشه، فذاب في اللون.
إذن، تعال، يا أخي، نقف عند عتبة بوابة الرضا، فلعل مولانا يسمح لنا برؤيته، يتدلى بين الشفع والوتر، وبين البصر والأبصار.
قالت مريم: “وما رأيت، يا أخي، عندما التقيت رويم؟”.
قلت: “إني لأستحي”.
قالت مريم: “وهل يستحي الحبيب من الحبيب؟”.
قلت، قال رويم: ابق مع الله على ما يريد، لا تملك شيئاً، ولا يملكك شيء.
هتفت “بنت مطر”: “وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله”.
قلت لها: “يا مريم، هو (في) أنفسنا، أفلا نبصر؟!”.
ثم حدث أني رأيت الماجدي ومريم مثل عمودي نور، يحلق بهما باز، والباز في دانة، والدانة في ياقوتة، والياقوتة في نور.
وجلّ وجه الله تعالى.

sharjah_misan@yahoo.com















ذاكرة المستقبل
المعلم ................................ جمعة اللامي


“قيل لديوجانس: متى تطيب الدنيا؟ قال:
إذا تفلسف ملوكها، وملك فلاسفتها”
(الإمتاع والمؤانسة الليلة السابعة عشرة)

لا يأتي بمثل هذه الشذرة، إلا معلّم.
و”التوحيدي” رحمه الله، معلّم ومؤدب. كما هو الخوارزمي، وجابر بن حيان، والكندي، وأميّة بن أبي الصلْت.
والمعلّم، رب الأسرة في منزله، والمدير في مدرسته، والأمير في إماراته، والإمام في الأمة.
وخيرُ المعلّمين معلّم نفسه.
والمعلم متواضع، لأنه عالم. والعالم من دون عصا بين تلامذته، لأنه ابن الحجّة، وابن بجدتها، وسليل الحكمة، والذي ضالته المعرفة حيثما وجدت، وأفشت عطرها وسلامها.
يقول “التوحيدي” بلسان “فيثاغورس: “إن كثيراً من الناس يرون العمى الذي يعرض لعَيْن البدن فتأباه أنفسهم. فأما عمى عين النفس فإنهم لا يرونه ولا تأباه أنفسهم، فلذلك لا تستحيون”.
والمعلّم حيي: وسبحان الله الذي ليس كمثل حيائه حياء.
والمعلّم من عرك الدنيا، وعركته الدنيا، فاغتنى علمه بالتجربة، وأثرت تجربته علمه.
والمعلّمة ربة البيت، أيضاً.
قال أحد المعلمين العرب: “أيقظت إعرابية أولاداً صغاراً لها قبل الفجر في غدوات الربيع، وقالت: تنسّموا هذه الأرواح، واستنشقوا هذا النسيم، وتفهّموا هذا النعيم، فإنه يشد من مُنتِكم”.
أي: من قوتكم.
والمعلّم قوي في بدنه، كما قوي في خطابه.
صادفت رجلاً من أهل “الذيد” قبل ربع قرن، فيما كنت أبتغي ظل سدرة تجعلني أفتح عندها كتاب تلك الأرض، وسألته: من أي البلاد أنت؟
وكانت بكرته بجواره. فتبسم وقال: “إن العرب لا تصلح ببلاد، لا تصلح بها الإبل”.
وسألت رجلاً آخر من أهل الشارقة: كيف تصبح، أخا العرب؟ فقال: بعدما أصلّي الصبح، أتفقّد عيالي، وأمر على إبلي، ثم أذهب للسلام على شيوخي.
قلت له: والله، إنك محراك النار.
ويقول المعلّم “ابن القَيم”: النجائب في المقدمة، أما حاملات الزاد ففي الأخير.
والمعلّم في المقدمة دوماً.
وهذه هي أيامه الآن، حين تصطخب الأمواج من حولنا، ونحن بين أوقيانوس وأوقيانوس. ولا دليل في هذه الهيْجات، إلا المعلّم، فهو القائد حقاً في المدرسة، والمنزل، والحكومة، والدولة، والزمان.
وَشُلتْ يدٌ تعامل هذا التاج، كما يعامل النخّاس الرقيق.


جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com




ذاكرة المستقبل
من رواق "أم هاشم" ........ جمعة اللامي

ليست غلطة بورخيس

“علمني فقدان البراءة، أن من يأتي لنا بالهدايا
في عيد الميلاد، ليس الطفل يسوع”
(ماركيز - عشي لأروي)


عرفت خورخي لويس بورخيس، ذا المنبت البريطاني، كمقدمة لمعرفته على نحو أفضل من بين أفضل كتّاب أمريكا اللاتينية: هذا الميل إلى الإيهام، هذا التخفي وراء الشخصيات المختلقة، وهذا “الزواج الأبيض” من امرأتين، بزتهما في علاقته بالمرأة، مدبرة منزله: ابيفانيا أوبيدا دي روبليدو.
وخلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، حين كنت أتحدث إلى الزميل محمد خضير، وهو في بصرة العراق، أذكر بورخيس اسماً، وأعيد ترتيب علاقة بورخيس ومحمد خضير، وعدد من زملائنا، بهذه الحالة غير المعلنة في حالاتنا المعلنة، كما لو أنها ثياب داخلية على حبل غسيل ملابس.
لقد وقع بيدي نصّ الترجمة العربية لسيرة بورخيس، كما أملاها علي ناشر أعماله باللغة الفرنسية، بعدما طبعته دار نشر مصرية قبل سنوات.
حدث هذا بعد محاولات مستمرة، بل بعد جهاد إذا صح القول، فبينما كنت متلهفاً لقراءة ذلك النص، كنت متخوفاً في الوقت ذاته من حدوث “التباس ما”، أو صدفة غير حميدة، أو في أحسن الأحوال أن الترجمة ليست على مستوى الحالة غير المكتشفة لثيابنا الداخلية وهي على حبل غسيل ملابس.
وأخيراً، استطعت الحصول على النسخة العربية المترجمة، وبعد عشر صفحات ونيف من القراءة المركزة، اكتشفت قطعاً، أو كسراً، أو اختلالاً، في المعنى والسياق.
نظرت إلى الصفحة، فوجدت أني أقرأ في فصل ختامي، بينما لا أزال في مقدمة الفصل الأول من السيرة الذاتية: “العائلة والطفولة”.
ليس بورخيس هو المخطئ، ولا هو ناشر أعماله باللغة الفرنسية، وليس هو مترجم النص. لكنه ربما يكون الذي أشرف على إخراج الكتاب، أو الذي نفذ عملية الإخراج.
هل أخطأ بورخيس مع زوجته الأولى، عندما لم يذهب معها إلى سرير الزوجية، في الليلة الأولى لزواجه، وفضل أن ينام على سرير آخر؟
وهل ارتكبت الظروف المحيطة به، خطيئة قيادته إلى العمى بينما هو يعمل مديراً لأكبر مكتبة في بلاده؟
وهل أن مصائرنا تتحول إلى جرائر، لأننا اخطأنا في اختيار أماكن هجرتنا؟
وهل هي غلطتي، إذا كنت قد ولدت، ووجدت الحدود أمامي في كل مكان من هذا العالم الأرضي؟ كما تساءل ذات مرة أحد الكتّاب الفرنسيين: “غير أن المؤكد، أو اللامؤكد، أن ثمة ضحكة صامتة ترافقنا من الصيحة الأولى وحتى الكفن الخشن.


جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com









ذاكرة المستقبل
ريش ................................ جمعة اللامي
“الأرض فلاح شقاه طيب وصبر جميل
الأرض شاعر يفتّح زهرة المواويل
الأرض عامل يهادي والأيادي سبيل
الأرض إنسان..
الأرض جندي
وكل حدودنا طعم النيل”
(فؤاد حداد)


صعد إلي صوت من أطراف أصابع كفي اليمنى:
“جيفارا مات، جيفارا مات!”.
رويداً رويداً، تأكدت من صوته، وحين تأكدت من أنه موجود، وأنه يميني فعلاً، ضربت بكف قدمي اليمنى على الأرض، لأزداد علماً بأنني أسمع ما لا يسمعه غيري.
وأبى الصوت إلا أن يجلس قبالتي هذه المرة:
“جيفارا مات، جيفارا مات”.
قال الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي: “هذا هو توني!”.
ضحك عمّه، عمّه الذي اسمه مجدي، القيّم على مقهى ريش حالياً، وقال: “هُو أصله كده، يحب جيفارا، وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام”.
بعد ذلك، عند الساعة العاشرة من مساء يوم الاثنين الماضي، عندما كنت أتكلم بالهاتف مع الأخ مجدي قال لي هذا هو حسنين رسام الكاريكاتور في جريدة “الأهالي”، وهو الذي يعلم توني، أشعار وأغاني نجم والشيخ إمام”، وكانت المفاجأة الأخرى: ها هي يا ريش تعيد إليّ ذكرى أصدقاء أعزاء، في مقهى رفعت السعيد!
في الساعة الثالثة من عصر ذلك اليوم، الاثنين كما أخبرتكم قبل قليل، خرجنا من مكاتب مجلة “إبداع” الى الشارع. قال حجازي: “سوف نتغدى بمطعم، وقبل ذلك سنمرّ على مقهى “ريش”. وهكذا حطت رحالنا عند هذا المثوى التاريخي، الذي ستمرّ مائة سنة على تأسيسه في العام المقبل، وحيث يعمل الأخ مجدي جهده لإنجاح هذه الذكرى، ومعه ثلّة من الذين ارتبطوا بهذا المكان، من أجنحة مصر كافة.
قال مجدي لحجازي: “أريد منك قصيدة بهذه المناسبة، لا يهم إن كانت مدحاً أو قدحاً. أنت تعرف قصيدة أحمد فؤاد نجم عن “ريش”.
وها هو صوت “توني” ابن السنة السادسة وبضعة أشهر، ينشد شعر “نجم” وغناء “إمام” في جيفارا، وفي مقهى ريش!
“مين هوّ جيفارا، يا توني؟”.
“جيفارا عمّي”. رد توني.
وعندما عُدت الى مأواي، ماراً بالقاهرة القديمة، من تحت “القلعة” حيث مقابر المصريين، وسكن بعضهم أيضاً، تناهى إليّ أن صوتاً من داخل أحد القبور، ينشد قصيدة “نجم” الشهيرة بصوت “إمام”: آه يا عبدالودود، يا حارس ع الحدود” فيردّ عليه طفل آخر اسمه محمد: “ما عاش اللّي ينسى مصر!”.


جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com





ذاكرة المستقبل
من روضة "أمّ هاشم" ............ جمعة اللامي

صلّوا على الحبيب


وَما يَدّري الشعراءُ منّي
وَقَدْ جاوَزْتُ رأس الأربعينِ
(سُحَيْمُ بن وثيلٍ الرّياحي)

بين فلقتي الصباح، عند مسجد السيدة فاطمة الزهراء، بمدينة نصر، أتاني جسده قبل صوته: “أهلاً بك يا عمّ إبراهيم، مُرني بما تشاءُ، فأنا طوعُ أمرك، ورهْنُ إشارة من سبابتك اليمنى”.
“وأنا....”.
ثم توقف فجأة، وقال: “أنت إبراهيم، ولدي المضيع في الحروب الخاسرة، والصفقات البائرة، والمؤجّل إلى يوم الوعد، والموعود بملاقاة الأمير، والمرهون ليوم مروءة”.
وقال: “اتبعني إلى الحسين”.
- “يا عمّ، أنا...”.
ثم “رأيت” رائحة لحيته، و”لمست” عطْر كفيّه، وشاهدت قلبه “يراني”، من وراء جُبّة الصوف الخشنة التي غطت جسده، فانطلق صوتي المحبوس، بلسان الشكر.
- “أنت هو الماجدي”.
- كنت معك بالشارقة، وميسان، وبيروت، والجزائر، ودمشق، ونيقوسيا، وباريس، وطرابلس الغرب، وعلى أعلى ذروة في الهملايا”.
كنت منجذباً إلى رجل يستعصي على الوصف، سوى أنه “أبوعلي حسن الماجدي”، الذي سلمني، وأنا في الهزيع الأول من شبابي، أقدس قرطاس في حياتي كلها. قال: “أيها العزيز، احترم العلم والعلماء، واحترم تاريخ أهلك، ولا تتبع هوى نفسك، واعل من شأن العقل، وتوكّل على الله، وابْرِ ذاكرتك”.
قلت: ها أنت توقفني في وقفة الواقف في الحضرة.
قال الماجدي: يا ولدي، البحر أمامك، والبحر خلفك، والبحر على الشمال وعلى اليمين، وخلاصك بكلماتك.
ثم ذاب في الجمع.
ورأيته يذوب في جموع المصريين المتجهين إلى قلب القاهرة، منطلقين من “المنصّة” في مدينة نصر، أو من البحر الأحمر، أو من الاسكندرية، أو مما قبل بلد النوبة.
وحين مررت على “العتبة” في طريقي إلى مسجد سيدنا الحسين، يوم الجمعة الماضي، رأيت خياله قرب امرأة تبيع “ساندويتشات الملفوف”، وصوته ينطلق:
- “صلّوا على الحبيب”.
سألت مرافقي: “من هو صاحب النداء؟”.
- “ألمْ تعرفه؟ نحن نسمّيه: الماجدي”.
- “الماجدي؟”.
- “نعم”، أجاب مرافقي، ثم أردف: “هذا رجل مبروك، تراه في المشارق كما في المغارب، وهو هائم في الوجد”.
لم أشاهد أي ظلّ له عند بائعة السندويتشات لكنها قالت: “الماجدي حامل كتاب الأمل، يا ولدي”.


جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com











الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

الأحد، 4 أكتوبر 2009

ذات يوم سنسمع الصرخة



“أعتقد أن المواطن الصالح، يفضّل الأقوال
التي تنقد، على الأقوال التي تسر وترضي”
(ديموشتين)

لستم - يا كسور الرجال - مثل “العوام” صاحب صلاح الدين الأيوبي، الذي قاتل فوق الماء، وحارب تحت الماء، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.
ولستم - يا أشباه الشعراء - مثل امرئ القيس، العربي بن العربي، الذي قهر الصحراء، وتغلب على الجبال، مطالباً بثأر أبيه. فلكل امرئ من أمره ما نوى.
ولستم - يا خردة العرب - مثل سيف الدولة الحمداني، التغلبي، الذي اختار الثغور، وعاش مقاتلاً والروم من حوله عزين، لأن العربي لا يخون أهله، ولا يغدر بضيفه، ولا يفحش بجارته.
ولستم مثل عجز بيت شعر من قصيدة للخنساء، وهي تبكي “صخراً”، فاين صخر من صخور العرب واصنامهم في هذه الأيام!
بل، أين انتم يا ألين الخلق ركباً، من ذلك الاسمر، وحشي، الذي عرف غلطته الكبرى مع هند، فاختار معسكر الحق، على فسطاط شراء ذمم الناس بالمال الحرام والعطايا التي تشبه اللئام.
ولذلك تقولون: ما لنا وركوب البحر، وأي مصلحة لقومنا في ملاقاة الأجناد فوق المياه السوداء، فلم يجرب أحد من أجدادنا، إدارة دفة سفينة في حياته؟
وقلتم كثيراً، مرة من وراء حجرات مخفورة بخفراء أجانب، ومرات ومرات وانتم على سرير الأعداء، وموائد اللئام. وأحدث ما قلتموه: هم الذين ألقوا بأنفسهم الى التهلكة، فمن قال لهم قاتلوا “اسرائيل” والبحر يفصل بيننا وبين تل ابيب!
بعضكم كان أصرح بياناً، وأوضح خطاباً، فقال ما لنا و”اسرائيل”، فالذي يجمعنا بها محاربة العنف والإرهاب والتطرف. هذا معسكرنا، وعدونا عند اليابسة، وليس وراء البحر.
ومقدمكم في هذا الخطاب كله، هو قائلكم: تغيرت الأيام وتبدلت، فتغيرنا وتبدلنا. صرنا نعرف أكثر من عدونا مصلحتنا ومصلحته، فخلطنا المصلحتين، وظهر لبننا رائقاً لنا، وليذهب غيرنا الى سقر.
لكن سقر تفتح اليوم شدقيها، بحيث تصير جحيم غزة هذه الأيام أحد وديانها فحسب، لأن غضب رب الناس شديد، وبأسه أشد من الحديد، وعذابه يشيب من هوله الولدان، ولا يطيقه الثقلان.
لنتصور - وليس ذلك ببعيد عن مشيئة الله - أن الذين لا بيوت لهم من العرب، والذين لا عمل لهم في ديار العرب، والذين لا يقدرون على تأمين الدواء لمرضاهم في بلدان العرب.. وقفوا على سطوح المنازل.. وعند ساحات الشوارع، وهتفوا بصوت واحد وساعة واحدة “الموت لقتلة الانسان!”.
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
www.juma-allami.com

أفواه وآذان


أفواه وآذان

جمعة اللامي

"ليس هناك ما هو أسرع من الإشاعة"
(أفلاطون)

يقول أحد الفلاسفة إن “الإشاعة ليست من الفضائل أبداً”. وعند أهل العقل، هذا قول صحيح تمام الصحة. لكن كثيراً من الذين لا يفرقون بين القحوف والعقول يصدقون الإشاعات، أو يعملون على ترويجها.
يأتي إليك أحدهم فيقول هامساً: “هل سمعت بخبر فلان الفلاني؟ إنه مختلس كبير”. وقبل أسبوع كان يقول لك في شأن هذا الشخص ذاته: “فلان الفلاني، يا الله، إنه مثال الأمانة والنزاهة”.
فماذا حدث لينقلب “الهامس” على نفسه؟
لقد سمع خبراً ما، إشاعة، فلم يتريث قليلاً ليتفكر في شأنه، أو يفحص سيرة مطلقة، بل تبناه مباشرة، ونقله شفاهاً، وعبر الهاتف، والفاكس، والرسائل الهاتفية.. وأخيراً: الإنترنت.
تصل الى بريدك رسالة قصيرة: “فلان الفلاني عميل أمريكي”. أو “فلانة الفلانية بنت ليل”، أو تتحدث واحدة الى واحدة، على المصعد المتحرك في السوق الكبير، والناس تسمع: “مسكوها، وشافوها بعيونهم، مع رجّال مشْ زوجها”.
ويصدق آخر، أو تصدق أخرى مستطرقة، ويصل الخبر الى سابع جار، وهذا السابع يوصله الى الجار الرابع عشر، وهكذا في متوالية معروفة، تتحول بلدة صغيرة، أو مؤسسة للبريد، إلى بيئة للفضائح.
وهذه بعض عيوب اللسان.
دواء الإشاعة، هو العقل، مثلما الحجة على أبلغ الحجج.
وبعض الناس لهم آذان، لكنهم لا يسمعون بها، ولهم ألسنة، لكنهم لا ينطقون بها، ولهم أعين، لكنهم لا ينظرون بها، ولهم عقول لا يفكرون بها.
لكنهم في لحظة ما ينقلبون الى جهاز ناقل لأخبار الناس، والدس عليهم، لأن الشيطان السياسي، والشيطان المالي، والشيطان الثقافي، تمكّن من عقولهم وقلوبهم وأعينهم، فصاروا (هو) في شيطنته!
قبل بضعة أسابيع، تلقيت رسالة من سيدة تقول فيها: أخي الكريم، لقد خرّبوا بيت ابنتي، قالوا إنها غير ملتزمة، مع أنها محجبة، فصدقت زميلتها بذلك، وأشاعت الإشاعة، حتى وصلت الى زوجها”.
قلت: وهل صدّق الزوج الإشاعة؟
sharjah_misan@yahoo.com
www.juma-allami.com

رسالة إلى التي تعرف نفسها


رسالة إلى التي تعرف نفسها
آخر تحديث:الجمعة ,15/05/2009

جمعة اللامي
ولقد ذكرتك والرماح نواهل
مني، وبيض الهند تقطر من دمي
(عنترة)

والناس في ما يعشقون مذاهب.
أما صاحبنا فإن التي يعشقها، تختلف عن كل المحبوبات، ولا تشبه إلا نفسها، رغم أن بعض الناس يرون فيها مثل كل الأخريات، لا تختلف عنهن في شيء، وهم ينعتون صاحبنا بعدم الرؤية احياناً، وفقدان الاتزان أحياناً أخرى.. وبالجنون أحياناً أخرى.
وهو لا يعترض - ولن يعترض - على أقوالهم، ولا يرد عليها، بل يستمر في عدم رؤيته، وفقدان اتزانه، وجنونه المطبق، لأن التي يحبها، وتلك التي يهواها، ملكت فؤاده، فبات لا يرى سواها.
قيل له: يا رجل، ها أنت جاوزت الخمسين، والذي في مثل عمرك يهدأ ويستكين، ويستكنّ، ويستقبل الصبح بكذا، ويلتقي مع الظهر والعصر بكيت، ويلاقي الغروب والعشاء والسحر، بكذا وكذا.
يردّ صاحبنا: تنهونني عن راحي، ولا تعرفون ما في كأسي.
يا لجنونه.
حدث أنه غاب عنها أسبوعاً قبل سنة، وحين عاد إليها قبلها وهي متربة، وصلى عليها وهي مطينة، وتوسدها وهي تتزيا بشعرها.
قيل له: اتق الله في نفسك، أيها الرجل.
فقال: ذروني مع خالقي، فهو يعرفني ويعرفها، وسبحان العلام القدير.
وقيل له: صفها.
قال: الشرق.
وسئل: ما اسمها؟
قال: الجهات كلها.
وصاح به شاب غاضب: أيها العجوز الخرف، إن غيرك يغادر بيته، ويترك أهله، وحين يعود إليهم، لا تظهر عليه أي علامة اضطراب، فلم أنت تبدو كالمخبول؟
قال: وما هي علامة المحب المدنف؟
قالوا: الوله.
قال: لا.
قالوا: ارتجاف اليد، وخفقان القلب.
قال: لا.
قالوا: فما هي تلك العلامة بالله عليك؟
قال: الخَبَلُ.
وحين أخذت السابلة تلتقي عند مظلته، أخذ يعلي من صوته قائلاً: ما عندي خيل اهديها إليك، ولا بيميني مال قارون أجعله أنهاراً بين يديك.
قالت له: لا أريد هذا كله.
قال: أعرف هذا كله، وأكثر.
قالوا: بربك، قل لنا، من هذه التي فتنتك، وأنت في أرذل العمر.
قال: تلك هي ربة الكتب، مدينتي.
sharjah_misan@yahoo.com
www.juma-allami.com

جرح على ملح آخر

ذاكرة المستقبل
جُرْح على مِلْح آخر تحديث:السبت ,01/08/2009







“وإياك ومصادقة الكذاب، فإنه كالسراب، يُقرّب إليكَ البعيدَ، ويُبعدُ عنكَ القريبَ”



(علي بن أبي طالب رضي الله عنه)


عُدْنا . والعود بعون الله أحمدُ .

وأسعد الله أوقاتكم، وعطر أزمنتكم باليُمن والياسمين، وبوأكم غرفة عالية علية، فوقها فضاء من كَرَمٍ، يعلوه كرمٌ، وعند يمينه وشمالهِ، أهل كرامة، يقرون الضيف: ويرفعون الحيف، وينجدون المظلوم، ويعرفون قيمة الصديق، كالسيدة ماهافي .
وربما يوجد بيننا من يخص السيدة الأمريكية آنا مودي ماهافي، بهذا الدعاء . أو يزيد عليه كلمة من أقوال عيسى (عليه السلام)، ثم يُهديه إلى السيدة آن ميستي وايت، مواطنة مدام ماهافي .
هكذا الأبدان تنظف، بعدما تشف الأنفس .
فلا تقربن أخي الكريم رجلاً أحمق لأنه يريد أن ينفعك، فإذا به يضرك . هكذا قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه . ثم إياك ومصادقة البخيل، فإنه يقعدُ عنك أحوج ما تكونُ إليه .
وإياك ومصادقة الفاجر، فإنه يبيعك بالتافِه . صدق والله أبو الحسن رضي الله عنهما، فالصديق الصدوق مسك عاطر: ولَبْخَة منه مروءة وكرم وإحسان وتواضع، إن وضعته على جرح، ربما بعمق جراحات أيوب عليه السلام، فإنه يبرأ بإذن الله .
وتلك هي مدام آن ميستي وايت، فيما نحسب، وحكايتها مثل أي حكاية بسيطة ومعبّرة، ولولا أنها حدثت في أمريكا، حيث أخبار الجريمة المنظمة، ومكائد ال”ء .ة .”، لقلنا إنها حدثت في “ألف ليلة وليلة”، أو إنها إحدى نكات عبدالله بن المقفع .
ولكنها المُضغة التي في قلب هذا المخلوق البشري، كما يعيد تعريفها سيد الخلق، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات والسلام .
وفي الجراب حكايات كثيرة . وتكتب إلي شابة رقيقة عفيفة، حكايات لا صنو لها في جمالها ووفائها، عن طائر الأيك، الذي يموت بعد فترة، إذا ما نفقت (والله لأقولن: ماتت) رفيقته .
ومن جانبي سأعيد دعائي للسيدة آن ميستي وايت، التي عثرت على خاتم فقدته صاحبته في عام ،1929 حسب صحيفة (ممفيس كومايشال أبيل) فأخذت تتحرى مَنْ كان يضعه حول إحدى أصابعه، أو يتختم به، فعثرت عليه، فإذا بها سيدة بلغت من العمر عتياً، وأنها فقدت الخاتم، عندما كانت طالبة بالمدرسة الابتدائية .
هكذا وإلا .
بعد 70 سنة يعود إليها خاتمها، بسبب أمانة وصدق امرأة من عامة الناس . وهذه الأخيرة مثل الكلام الذي يبرئ سقم العليل .
والآن خبرني بربك بشيء ما عن ذلك الذي هو مثل ملح على جرح . بل على جرح مفتوح .


جمعة اللامي
www .juma-allami .com

السبت، 3 أكتوبر 2009

الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

سيرة غير منتهية




جمعة اللامي


• أديب وروائي عراقي مقيم في إمارة الشارقة• ولد ونشأ في جنوب العراق، قبل أن ينتقل إلى بغداد، سنة 1959• قضى سنوات عدة في أغلب سجون ومعتقلات العراق منذ عام 1963• غادر العراق عام 1979 واستقر في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنة 1980• شغل مناصب عدة في صحف الخليج والاتحاد وغيرها.• يعمل حالياً كاتباً متفرغاً في جريدة "الخليج".• نال جائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي في القصة القصيرة عام 2006• نال جائزة العنقاء الذهبية الدولية عام 2007• من مؤلفاته :- من قتل حكمت الشامي؟ : مجموعة قصصية، بغداد 1976- أليشن : مجموعة قصصية، بغداد 1978- الثلاثيات : مجموعة قصصية، 1979م- عبدالله بن فرات ينتظر ثأر الله : الخليج للصحافة والنشر، الشارقة 1983م- المقامة اللامية : الأردن، 1990م- مجنون زينب : رواية . 1998م- أشواق السيدة البابلية- الثلاثية الأولى : رواية . نيقوسيا – قبرص، 2000م- الحرية والثقافة ( ذاكرة المستقبل )- ابن ميسان في عزلته : المركز الثقافي العربي، 2005م- مملكة الحكمة، بوابة الكلمة : المركز الثقافي العربي، 2005م- جمعة اللامي ... الأعمال الروائية : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004م.- جمعة اللامي ... الأعمال القصصية : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004م.*


البريد الإلكتروني: juma_allami@ yahoo.com


الموقع الإلكتروني: www.juma-allami. com

عن اللامي




أحمد علي الزين

هو جمعة اللامي الروائي والقاص العراقي ابن ميسان أو العمارة، مسكون بطفولته وبأحزان جنوبه، يسكن الشارقة وتسكنه البلاد بنخيلها ومائها وفقرائها وأوجاعها. حمل معه ما أمكنه وبالتأكيد حمل ألم سجنه وآماله وبعض نصوص قديمة احتفظ بها في بيته تتكثف حياته حياة أبطاله وأصدقائه وكتبه وصوره، وأول ما يلفت النظر هو نص قديم كتب في الستينات داخل سجن الحلّة، ترى ماذا يشعر المرء عندما يستعيد عبر هذه المخطوطات مشاهد تلك الأيام؟





أحمد خلف

يعتبر أدب جمعة اللامي القصصي، أدب فجيعة، أي أنهُ ينتسب وينتمي كلياً الى الادب المأساوي الذي تعارفنا عليه في الآداب العربية او العالمية . وترتكز القاعدة الفكرية المغذية لنشوء نصوصه على المعادلة الثنائية التي تقول، بضرورة البحث عن الوشائج او القواسم المشتركة بين التجربة الذاتية وبين تراثه الوطني او القومي، لذا، فالتجربة الخاصة للقاص الكبير جمعة اللامي من الثراء والغنى بحيث نجدها تطغي في بعض النصوص التي كتبها في النصف الثاني من مرحلة الستينيات، على تجارب معرفية واجتماعية وبعضها ذو أصول دينية وأخرى سياسية واضحة المعالم ، سوف نأتي على ذكرها وجعل حالة التماس بين ما هو ديني وما هو سياسي ممكنة الشروع في تهيئة النص القصصي الذي كتبهُ .


لمتابعة قراءة النص يرجى الضغط على الرابط التالي






عصام محفوظ

كتب الأديب اللبناني مقالا في خريف سنة 1970، ثم اعاد نشره كاملا في كتابه الموسوم: «الرواية العربية الطليعية»: «اما اللعبة الشكلية المتطورة جدا، فصاحبها العراقي جمعة اللامي، الاول الذي يحاول ان يكتب كما كان ابو لينير يكتب بعض شعره، اي يستغل الامكانات التصويرية للتأكيد على معنى يدرك هو ان الكلمات المصفوفة في ترتيب، قد لا تؤكده في القوة نفسها التي يريد. وهو ما يسمى في الغرب: كاليغرام. جمعة اللامي، الأول من بين كتاب القصة العرب، بل بين كتاب القصة في كل مكان، كتب القصة بهذا الاسلوب».




احمد المديني

«جمعة اللامي: نشيد القصة العراقية».





الدكتور محسن الموسوي

كتب تقديما مسهبا للكتابين بعنوان: «جمعة اللامي: الســـــــرد باحثا عن يقين»، تابع فيه بدايات جمعة اللامي في الحياة الثقافية والسياسية في العراق منذ ستينات القرن المنصرم، واوضح تفرداته في المشهد القصصي العراقي والعربي، حيث انه هدم الحدود القائمة بين الاجناس، فلا قصة ولا رواية ولا شعر ولا مقامة، كما في قصصه القصيرة، وكذلك في روايته «مجنون زينب».







محمد سعدون السباهي

انكســـار الحلــم فــي ثلاثيــة جمعــة اللامــي
عن دار بابل بريس للنشر في قبرص، صدرت للقاص والروائي العراقي المعروف جمعة اللامي، رواية جديدة تحت عنوان: الثلاثية الاولى. سبق وصدر اللامي اكثر من خمسة عشر كتابا، بين رواية ومجموعة قصصية وابحاث، بدءا بمجموعته الاولى: من قتل حكمة الشامي، مرورا بروايتيه: المقامة اللامية، ومجنون زينب، وانتهاء بكتابه المهم: المسألة الفلاحية في العراق، وهو بحث معمق، في الاقتصاد السياسي للريف العراقي. روايته الجديدة، الثلاثية الاولى، التي نحن بصدد القاء الضوء على بعض ما احتشد به متن الرواية من احداث توزعت على مئة صفحة تقريبا من الحجم المتوسط.

يمكن اعتبارها واحدة من الروايات العديدة، التي اتخذت من التجربة الشيوعية المخفقة، مادة لها. تدور الاحداث فيما يشبه الترميز، حيث يشمل الجميع حلما عزيز المنال، مفاده: الوصول الى: ديرة حلم العمر! كما اطلق عليه الكاتب. عزيز الموسوي، وغريب المتروك، وخالد الامين، وكريم البقال، والمسيحية الشيوعية: سافرة عبدالمسيح، التي تعمل في جريدة (الوطن) وهي تورية لصحيفة (طريق الشعب) سافرة هذه القى الحرس القومي عليها القبض بعد انقلاب عام 1963 المشؤوم واغتصبوها في مركز شرطة الفضل، الامر الذي دفعها، بعد ان فشلت محاولتها في الانتحار، الى السفر الى بيروت للانضمام الى اقارب لها هناك، هربا مما اصابها، واصاب الكثير من رفاقها في بغداد. هؤلاء كانوا يعتقدون في انفسهم، انهم يمثلون الضمير الجمعي، لجيل معذب، اختار المشاركة في الثورة المنشودة عن وعي، الثورة القادرة وحدها على تنفيذ طموحات الجميع الانسانية المشروعة، في خلق مدن المساواة الجديدة.
حتى ان الشيوعي عزيز الموسوي، يختصر اسئلة مفوض التحقيق، بالقول: ان جميع مشاكلي التي جلبت عليّ اللعنة، جاءت حين حاولت ان اوضح، اول مرة لنفسي وللناس، ما لله الذي في السماء. وما لماركس الذي على الارض.
ولان احلامهم، كمثقفين شباب، كانت اكبر بكثير من الامكانات المتاحة، ولحداثة تجربتهم بمتاهات السياسة واحابيلها، لم يجدوا من يواسي احزانهم، ويخفف من فوران مشاعرهم المرهفة غير الخمرة، إذ وحدها التي تجعلهم احرارا في ان يشرقوا او يغربوا بافكارهم المجنحة، حتى ان احدهم، وهو طالب في اكاديمية الفنون الجميلة، تتركز امنيته، فيما لو تحققت الثورة، القيام بعمل جدارية على امتداد شارع ابي نؤاس، الذي يرتادون حاناته، خصوصا حانة كاردينيا الصغيرة، ويقول اخر: سأشرف بنفسي على تحويل (الشاكرية) الى ملاعب للاطفال، وثالث يهتف بصوت مسموع: سأحول منطقة الصرائف خلف السدة، الى مدن على الطراز الاوربي.
ولكن، وبتقدم السنوات، واحداثها وتجاربها المريرة، اذ يصبح معظمهم من زبائن مراكز التوقيف الدائميين، بعد ان يلقى عليهم القبض، على اثر مطاردات شرسة، في المدن والقرى النائية على حد سواء، ويعيشون ضراوة التحقيقات الامنية، ويرمى بهم في سجون نقرة السلمان، والحلة، والبصرة، وبعقوبة والنفي الى مدن الشمال، يصبحون كهولا، حتى من لا يزال في الثلاثين من عمره!
وبدلا من ان يرفعوا كؤوسهم، كما كانوا يفعلون قبل التجربة، باسم جيفارا، صاروا يرفعونها تارة بـ:نخب السجون، واخرى، نخب الجنائز المحطمة جماجمها، واخيرا: نخب خراب العالم!!.
ولعل اقسى ما في الرواية المحتشدة بالمآسي، مشهد عزيز الموسوي، الذي اطلق سراحه بعد انقلاب 17 ــ 30 تموز ــ 1968 ولكنه اصبح يؤمن بحمل البندقية، والذهاب الى الاهوار، ليواصل نضاله عن طريق الكفاح المسلح، هذه المرة، يسمع من مكانه في احدى حانات منطقة السعدون، ويرى عبر زجاج نافذة الحانة، كيف ان بغداد سكرى بالناس الذين يطلقون الهتافات والاغاني، من اجل الاشتراكية، وان بعضهم من رفاق الامس الدامي، الذي تعرف عليهم في السجون ومراكز التحقيق، فينتحب في غضب، ويصيح بما يشبه الجنون: من غرف التعذيب، الى اناشيد الجبهة، هل هذا صحيح؟!.
المهم، تنتهي الرواية من دون ان يصل اي منهم الى مدينة الحلم، اليوتوبيا، التي سماها الكاتب، جمعة اللامي، ديرة حلم العمر، إذ دفعت الفاشية، لكل من فكر في ذلك، اما الى المقابر المجهولة، او الجنون، او العوق الجسدي الذي لا شفاء له!.

أتى هذا الخبر من جريدة الاتحاد
http://www.alitthad.comعنوان الرابط لهذا الخبر هو:http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=30263



" الجنون هو الشجاعة اذا كانت الحرية في خطر" - خضير ميري: تصريح بالجنون.

تجربة الروائي والكاتب جمعة اللامي لم تدون حتى اليوم لا من قبله ولا من قبل غيره وحتى حدائق محمد خضير بعد اقامة في منزل اللامي قصيرة في الامارات لم تكن سيرة ذاتية لهذا الروائي والانسان بل كانت رؤية مكثفة للكاتب عن عوالم سريعة الزوال تشبه المراثي أو النعي وربما التحية، لكن أحدا لا يزعم بقدرته على كتابة تلك التجربة وقد يكون الوقت قد تجاوز الروائي نفسه للكتابة حين مر الوقت الكافي لاعادة صياغة التجربة، ليس استذكارها ولكن اعادة بناء سيروي حتى لو حاول لاحقا كتابتها من خلال سيرة ذاتية كما هو معروف.

وهنا أحب أن اضع لمسة انسانية على الموضوع ربما لأنني احد الذين شاءت الصدف او الاقدار أن أكون قريبا منه منذ السبعينات يوم كان الكاتب معروفا في الوسط الثقافي وحاضرا في السجالات وكان الادباء يعتقدون ان العالم يتفتح بكل براءة ووضوح وان البيان الشعري أو الحكاية أو القصيدة وربما الحوار تحت أشجار النهر في الليل سيغير قليلا وربما كثيرا من خريطة العالم.

كانوا أطفال راقصين بفرح بتعبير فاضل العزاوي أحدهم في كتابه: "التجربة الحية" وهو كتاب يستحق القراءة التأمل وخلاصة تجربة عريقة ومهمة في السياسة والثقافة مع ان العزاوي كان أحد أكثر هؤلاء تسلطناً في تلك المرحلة وغيبوبةً عن التدمير العضوي والبنيوي في المجتمع السياسي والمجتمع العام وكان انشغاله، مثل جيله، مشدودا نحو موضات التجريب بل والتقليد وهذا قد يأتي في فصل قادم لأن تلك التجربة التي صارت حية اليوم لم تكن كذلك في وقتها: كان هؤلاء جميعا يذهبون الى السجون أو المنافي بلا صيحة تحذير من القادم، وهو المأزق العام الذي سيقع فيه من بعد الوطن بصورة عامة والجيل الروائي الجديد بصورة خاصة، فشراكة المسؤولية أمر مفهوم ومقبول ولا أظن أن أحدا من هؤلاء لا يقبل به وهم جميعا الآن قد تكشف لهم الجانب الوحشي المستور من تلك المرحلة والنتائج القائمة اليوم.

كان الابتهاج واضحا، وكانت المسرات تُخلق، وكان بعض ذلك الجيل قادما من سجون صحراوية ـ جمعة اللامي كان في نقرة السلمان ـ وبعضهم الاخر من سجون أخرى رغم ان كثيرين من ذلك الجيل ـ عكس الجيل الروائي الجديد ـ مارسوا بعض المباهج الانسانية والمسرات المشروعة في السكن والزواج والانجاب والسفر والعمل والاحتجاج والنشر والرفض والقبول والتملك قبل أن يقبض الكابوس الرهيب على رقاب الجميع، فتبين لذلك الجيل ان خلف أشجار النهر، ماوراء الاسلاك الشائكة، في القصر الرئاسي الستيني وما بعده أو في الثكنات حيث العقداء الغجر، كان يولد بصمت وسرية وكتمان عالم مختلف تماما وان الموسيقى القادمة عبر الأشجار، الأشجار الليلية المزهرة بالضوء والعذوبة والواعدة بالمسرات، وخلف خطوات الناس على الرصيف ـ يوم كان الرصيف رصيفا حقيقيا ـ الخطوات الهادئة المسترخية كما لو ان المارة يهبطون بسلاسة أو ينبعون برقة وشفافية من حيطان حكايات ناتالي ساروت، خلف تلك الخطوات هناك يولد مصير كابوسي مختلف للجميع ـ كما لو كان هؤلاء يركضون في براري فسيحة من الخارج كمهور صغيرة تتعلم المشي والركض والبهجة أمام فخاخ منجورة ومموهة بدهاء وبسذاجة: دهاء كولونيلات شبه أميين، وسذاجة كتّاب كانت تتشكل بالقرب منهم أخطر السلط في العالم وهم في حوار طويل دائم عن الثورة واليسار والسريالية والكفاح المسلح والجنس والتمرد والدين والحداثة وحولهم تنبى الأسلاك الشائكة والسجون ...والخ.

كان جمعة اللامي أحد هؤلاء لكنه ربما ـ لكي لا نظلم أحدا ـ كان الأكثر استعدادا للمضي خلف مشروعه ووراء ما كان يؤمن بها سواء كان هذا الايمان صحيحا أو غير ذلك لكنه كان صادقا في التبني على مستوي السلوك والخيار والمصير، ولم يكن قارئا معجبا بتلك المبادئ، بل القادر على التضحية.

تشكل رحلة اللامي الملحمية اسطورة تستحق الاعجاب والتأمل تبدأ من الجنوب، العمارة، اليشن، بغداد، بيروت، المقاومة الفسلطينية، السجن في نقرة السلمان، التعرض للغرق في البحر، رفقة غسان كنفاني ومحمود درويش، العمل في جريدة الهدف ـ يوم كان رئيس التحرير كنفاني ـ العودة في السبعينات الى العراق بعد صدور قرار( العفو) عن الفارين في تلك المرحلة، ثم العمل بعض الوقت في الصحافة مثل جيله في سبعينات القرن الماضي في ظروف بدت شبه مريحة وتوافق وطني سياسي كان هو الآخر فخا حتى اللحظة التي بدا الجرس أواخر السبعينات يقرع تحت أشجار هؤلاء واختفت الاسلاك الشائكة القديمة لتحل محلها الاسلاك المكهربة، وحين لم يعد الرفض أو الاحتجاج بحده الأدنى يؤدي الى نقرة صحراوية في السلمان بل يؤدي الى نقرة حقيقية لا عودة منها أبدا، ان لم يكن الأمر ينتهي بضيافة كلاب المانية جائعة ومفترسة تنتظر الروائي جمعة اللامي أو غيره من هؤلاء، جيل الأشجار والزهور الليلية، والعطر المسائي القادم عبر النهار، وفرح قلب العالم، القلب وليس التغيير، القلب الجذري ايضا، حين بدا الأمر كذلك كان جمعة اللامي قد حزم الأمر ـ ولا تنتهي تلك الرحلة في الخليج، حيث يقع اللامي اليوم في مصيدة جديدة وعلى يد من(نصفه غاطس قبل سنوات في اقتصاد الجراد، ونصفه الآخر في تكنولوجيا وحداثة مشوهة) وهو مصير عوليسي مقلوب ونهاية تراجيدية لبحار باسل ومنشق نظيف وأعزل.

الطريف في الأمر انني التقيت به مرتين مفصليتين من علاقة طويلة: المرة الأولى كنت قادما من خارج بغداد، من مدينة شبه ريفية، في مقتبل العمر، أخاف من عبور الشوارع وحركة المرور وشكل العمارات( ما زلت أخاف حتى اليوم) وتسكعنا طويلا بعد ذلك، وكانت هواية اللامي المفضلة بعد منتصف الليل، يوم تغلق المحال أبوابها، وينتشر ملوك الليل المطرودين من الطمأنينة والصحو والنوم ، كانت هوايته هي قلب لوحات معرض كان يقام في الهواء الطلق في الباب الشرقي وتعلق اللوحات على السياج الحديدي لنصب الحرية، وفي اخر مرة كاد أن يقضي علينا معا حين وصل في اللحظة التي انتهى الاستاذ جمعة اللامي من قلب آخر لوحة ـ وهنا المشكلة ـ من المعرض الفني الشعاراتي، شرطي أمن، وكنت أنا الفتى الطارئ على عالم المدينة وسلطها قد تصورته سيطلق النار علينا لكي نتحول الى لوحة أخرى تحت النصب، لكن اللامي الذي كان نائيا تماما في عالمه أيقظته خلية حراسة باقية من خلاياه الدماغية مكلفة بالسهر لمثل هذه الطوارئ أن أمراً جللاً يحدث قربه وعليه أن يتصرف، فمد يده في جيبه ـ جيب القميص العلوي على الجانب الايسر من الصدر ـ وأخرج مسدسا صغيراً أكبر قليلا من حجم قداحة التدخين ولم أكن قد رايته من قبل ولم أر مثله حتى اليوم، بهدوء من يشعل سيجارة وقال بالهدوء الجليدي نفسه لشرطي الأمن في زمن كان الجميع يخاف من الجميع بالحرف الواحد كما لو كان يتحدث مع خروف:" تمشي لو أطلق عليك النار؟" والمصيبة انه اضاف هذه العبارة: "وأطلق النار على المارة أيضا؟"

وكنا قبل ذلك بساعات نجلس في حدائق النهر نتحدث عن السوريالية والرواية والأدب والحرب الاسبانية ولوركا وكان يردد عبارة بريتون الشهيرة:" ان الفعل الوحيد الذي يجب أن نقوم به الشاعر هو النزول الى الشارع واطلاق النار على المارة". ترى ماذا سيحدث لو انه قرر الليلة ـ تحت نصب الحرية ـ تحويل مقولة المعتوه بريتون الى واقع حقيقي؟ تلاشى الآخر لا أدري كيف لأنني كنت مشغولا بترتيب وضعية اللامي وتجميل الحياة وقلت له ليس من باب الاعجاب بتلك المقولة ولكن من باب الحيلة والتوازن مقولة ناظم حكمت: "إن أجمل الأيام هي التي لم تأت بعد" ولو كنت أعرف ماذا سيحل لأستعرت مسدسه الأسطوري ووضعت حدا لهذه الحكاية الشكسبيرية المملة.

المرة الثانية المفصلية والأخيرة هي قبل خروج اللامي الأخير من الوطن أواخر السبعينات وكنت خارجا توا من السجن على أثر ضيافة في الأمن العامة لأنني أعمل في السياسة قطاع خاص لحسابي ـ كما أنا الآن ـ بلا تنظيم ولا حزب ولا قبيلة ولا دكان تتن، وحين سألني "أين كنت؟" وشرحت، تمنى لي حياة أفضل، ولم تكن تلك اللغة الارستقراطية الصالونية سائدة بيننا ولم أكن أعرف ان اللامي قد حزم أمره وان (حياة أفضل) هي نعي ووداع وتمنيات بطول العمر في وطن صار طول العمر فيه هو دعاء بالعذاب.

إن تجربة الاستاذ جمعة اللامي ابتداءً من مجموعته( من قتل حكمة الشامي) ثم ( اليشن) و( الثلاثيات) و( المقامة اللامية ـ مجنون زينب) أو في مئات المقالات(بعضها: صدر في كتاب ـ ذاكرة المستقبل) وفي غيرها لم تتم قراءتها كما يجب الا من موقع غير نقدي من باب التمجيد أو التخفيض مثل أي أمر آخر في حياتنا الثقافية وفي غيرها في عالم الثنائيات العراقي الذي لا ينتهي: تجربة روائية وقصصية تمتاز بالمغامرة والتجريب والتجاوز والبحث المستمر عن اشكال تعبيرية جديدة واصيلة وكذلك التمسك العميق بالجذور وخاصة اليشن ـ تلال الجنوب الأسطورية ـ وقد يكون اللامي هو الوحيد من مجايليه الذي صار البحث عن مكان آمن وهادئ للاقامة والكتابة حلما عصي المنال حتى اللحظة، لذلك تكون العودة الدائمة الى اليشن، الجذر والماضي والحلم والأمل، تعويضا مستمرا عن خيبة المكان الجديد، كما كان انتقاله من الماركسية الى التصوف بحثا عن خلاص وقد لا يجد فيه انتقالا بل استمرارية.

هل هي مفارقة أن يكون الروائي أحمد سعداوي الشاب وهو من الجيل الروائي الجديد قد عثر، في روايته:( انه يحلم، أو يلعب، أو يموت) الصادرة في السنوات الأخيرة بعد الاحتلال على مكان يجمع فيه في لقاء واحد بين الموتى والأحياء يسمى( الهناناك) أي الهنا والهناك، لأنه لم يعثر على مكان حقيقي يمكن أسطرته ـ تحويله الى أسطورة كما فعل اللامي في اليشن ـ والسبب ان جيل جمعة اللامي كان يبحث ليس عن الأرض بل عن الحرية في رموز المكان، في حين ان جيل أحمد سعداوي حين يئس من هذه الحرية، صار يبحث عن مكان أسطوري بعد ان فقد في الاحتلال الأرض والحرية معا، ومن الملفت للنظر ان جيلين روائيين هربا أو حاولا الهروب الى الخارج والأستثناء الوحيد والنادر والملهم هو خضير ميري الذي انتحل الجنون للسبب نفسه وهو البحث عن حرية الذات في هروب الى الداخل وهو الخيار الأصعب والأكثر شجاعة اذا كان الجنون خيارا.

- الفصل القادم: جيل روائي جديد ـ خضير ميري والهجرة الى الداخل، من البحث عن الحرية الى البحث عن الأرض.






خضير اللامي

جمعة اللامي وجه جنوبي ميساني سومري ينحدر من عائلة فقيرة تكاد ان تكون معدمة . لها معيل واحد، هو رب الأسرة، يشتغل عاملا بسيطا .في منتصف عام 1958 هاجرت عائلته من مدينة الماجدية في ميسان الى بغداد العاصمة
وجد جمعة اللامي نفسه مقذوفا في خضم هذه المدينة.ذات الشوارع والمنعطفات والأزقة المتفرعة والمتقاطعة وغير المتناهية، غاصة بأنواع العجلات والمركبات المزدحمة بالمارة والملاهـي والبــــارات والنوادي والمقاهي الليلية والمراقص المضاءة بالمصابيح والنيونات الملونة بالألوان الزاهية والداكنة الخ.. والكنائس والجوامع والأكواخ الطينية والصرائف المبنية من مادة الصفيح .كان هذا الصبي يبحث بين هذه الأشياء عن الذات والوجود والحضارة والعرفانية والحركات السياسية تقدمية ورجعية وأخرى مستقلة, وهو لماّ يزل شابا في مقتبل العمر.وذات يوم تموزي قائظ ، اهتزت الأرض ودارت، وهرع الناس يملأون الشوارع والأزقة والساحات والميادين. ووجد هذا الصبي نفسه وسط هؤلاء مدفوعا معهم يهتف بسقوط الملك . وبحياة زعيم الثورة، كان هذا الشاب يبدو انه يحلم ببساط اخضر ممتد أمامه إلى ما لا نهاية ،كما كان يحلم تروتسكي ببناء الاشتراكية في العالم. وبعد أن هدأت الأمور وراح الناس يتعرفون على اتجاهات العسكر الجديدة وبرزت الأحزاب والمنظمات والحركات السياسية وصارت عملية الفرز واضحة لا لبس فيها، قرر أن ينضم إلى أحد الأحزاب اليسارية، وان يكون مناضلا شهيدا وهو حي كما يقول في" الثلاثية الأولى" وتمر سنون قليلة، على الوضع السياسي الجديد. وتحدث تحولات دراماتيكية جذرية وينقلب الوضع من حال إلى حال آخر ويجانب زعيم الثورة أعداء الثورة ويبطش هؤلاء الأعداء بأنصار الثورة وتغص السجون والمعتقلات بهم ويعلق البعض منهم على أعواد المشانق .من مدنيين وعسكريين . وكان جمعة اللامي في ذلك الوقت تطوع في سلك الجيش العراقي بدرجة نائب ضابط،، ولفقت ضده التهم واعتقل وخضع إلى عمليات تعذيب بشعة جدا . وقد ذكر لي انهم قد وضعوه في قبو دامس وفتحوا رأسه من أعلى هامته ووضعوا في داخله بعض الحشرات. وتبدآ مسيرة عذاباته وآلامه منذ ذلك الحين ويتحول إلى سفير سجون ومعتقلات يتنقل، من معتقل الخيالة، الى سجن الحلة ومعتقلات بغداد والحبانية إلى نقرة السلمان. ويكتب اللامي رائعته الأدبية " الثلاثية الأولى"ويحاول فيها أن يجسد قصة نضال حركة سياسية يسارية ويحاول أن يطرح فيها التحولات و الإفرازات النفسية والفكرية ، وحالات الإحباط ، والسقوط السياسي والأخلاقي ، والتبرؤ من المبادئ والثبات عليها فضلا، عن خِبَر وتجارب وفكر تلك الحركة. بداية يقول القاص فيصل عبد الحسن في مقالة له عن جمعة اللامي تحت عنوان : رواية ( الثلاثية الأولى ) إعادة صياغة الماضي وتعرية الدكتاتورية.يحاول اللامي ، في ثلاثيته أن يعيد إلينا صياغة الماضي بكل ما يحمله من عذابات ألام وفجائع ، وهذا اكثر من صرامة ودموية وشعرية لأنظمة تصفوية دكتاتورية تواصلت في حكم العراق بالحديد والنار حتى يومنا هذا ..أما جاسم عاصي فيذكر في مقالته ( مقامة المدينة وسيرة الشخصيات) والثلاثية مكتوبة عن حقبة معقدة وحساسة في تاريخ العراق السياسي ،لأنها تتناول في المعالجة نماذج إنسانية على درجة عالية من تشكل منظومتهم الفكرية وتجربتهم الزاخرة' في الميدان السياسي (ونجد هذا كله مجسدا في أعماله الأدبية والإبداعية وبخاصة في" ثلاثيته الأولى" .والتي تعد رائعته masterpiece وتنتمي في جنسها إلى ما يسمى في الأدب الغربي " رواية قصيرة" او" قصة طويلة" ولان جمعة اللامي يملك لغة صوفية مكثفة بامتياز ومشحونة بالمعاني والتجليات الصوفية والقرآنية والتراثية ، فقد اختار الروائي جمعة اللامي هذا الجنس من الأدب . واراد من خلال ذلك ان ينقل لنا تجربته السياسية المأساوية وما واجه من احباطات وسقوط أخلاقي لدى الآخر ويبحث جمعة اللامي، في رائعته هذه ، عن يقين واضح، بعيدا عن التلوث والانتهازية والسقوط الأخلاقي. بعد أن واجه سجون ومطاردات وقمع الأنظمة الدكتاتورية . واستطاع في هذه الرواية، ان يخلق لنا معادلات موضوعية لاعادة التوازن النفسي والفكري.. ويمكن لقارئ هذه الثلاثية ان يلاحظ بعض المعادلات الموضوعية بعضها واضح للعيان والأخر على القارئ ان يبذل جهدا لايجاده أما أنا فاجمل ما يلي من المعادلات الموضوعية..1. ألام، الأخت، الزوجة، الحبيبة معادلا موضوعيا: من الشخصيات الرئيسة في الثلاثية التي تشكل معادلا موضوعيا هي الام والتي يستعيدها المؤلف في حالات التأزم ومواجهة الموت : اذ استعيدها الان، من حضرة الموت لاتحدث عنها، -شقيقة روحي _ في حضرتك ، فلان روحها حلت فيك ، فانت الان، - امي وحبيبتي واختي- انت سمائي التي التحف، وارضي الطهور التي أتوسد، وأنت أيضا بساتين الرضا وغابات الشوق التي لا تفنى. وكانت هذه المرأة ألام صورة لجميع أمهات المناضلين ضد انظمة القمع والاستبداد ، فنراها ، تجري وراء ابنها في السجون والمعتقلات وقطارات الموت وعجلات الصحراءويسألها:ـ لماذا توقف النهر عن الجريان؟ـ انه يصلي لله يا وليدي .ـ ومن هو الله يا امي؟ـ هو.. هو.لم افهم ما قالته مريم بنت مطر في ذلك اليوم ، ولكن بعد عشر سنوات ، عندما كنت أهيم على وجهي فوق رمال ( سجن النقرة) وأنا اردد : يا هو.. يا هو. أدركت كم كانت أمي عظيمة بفطرتها ، كما أدركت أيضا أن طريقي إلى معرفة الله ستكون شاقة وصعبة. المعادل الثاني ، الابستمولوجيا ، او المعرفانية التي تعد لدى الموسوي او غريب المتروك ( جمعة اللامي) في الثلاثية عنصرا هاما واساسيا لمعادلة الوضع النفسي والفكري ، فهو يقول، أريد أن اصنع عالمي من جديد واخذ يزعق بقوة ، الثقافة هي الرد الوحيد على هذا التفتت وقلب هذا الوضع الى خيار اخر. ليس هذا انقلابا انه الوضع الطبيعي.المعادل الثالث ، والتصوف والموروث الحسيني ،كما يطلق عليه الدكتور محسن الموسوي.من خلال مجايلتي والتصاقي بجمعة اللامي قبل دخوله السجون لم يكن يعير اهتماما لثيمة التصوف أو الثقافة الدينية ، انما كان العكس من ذلك ، اذ كان موقفه يقترب من المعرفة العلماتية ، بيد ان الإحداث الجسام التي واجهها دفعته الى الاهتمام غير الطبيعي في قراءة المذاهب الصوفية كالحلاج وابن عربي والغزالي والنفري الخ..ولاحظت انه يكثر من شراء تلك الكتب في حقبة نهاية الستينيات.. ومن يطالع أعمال اللامي يلاحظ اللغة الصوفية طاغية في كتاباته الإبداعية وغير الإبداعية: " لقد أخذنا الماء الى بركاته ، أهديناه صمتا هو الرحمة الناطقة . صرنا الماء والصمت . لا ثالث لنا. لا قبل قبلنا ، ولا بعد بعدنا ، أنا أنت. وأنت أنا . يباركنا هذا" الفراغ الجليل " الذي صرناه واغتسلنا في نور مهابته. "الثلاثية الأولى." بعد ما تحول جمعة اللامي إلى حالة التصوف وكما يقول عنه الطاهر وطار صار متصوفا شيعيا، اذا،لا بد أن نطرق موضوع الخمرة التي هي الأخرى تشكل معادلا موضوعيا إذ لا أحد لا يعرف ما كان عليه جمعة اللامي من وضع نفسي وفكري وتأزم حاد بعد خروجه من السجن بعد انقلاب 1968، حيث تحولت ذاكرته كما يقول في الثلاثية الأولى الى " منقع للعذاب"ولم يكن على استعداد لينسى كل شيء ، في حالة الصحو ، فلا بد من البحث عن معادل موضوعي آخر لقتل هذه الذاكرة اللعينة .يقول ، أني أشرب لاطرد خوفي ، كلنا خائفون.العرق ، أنت تتذكره جيدا ، اذ كنت بلا يقين ، بعد أن غادرت السجن عام 1968، كنت تشرب حتى يغلبك العرق ، فتقع في الشوارع ، على الأرصفة ، على مدرجات أبواب السينما ، على ساق امك. في تلك الليالي حيث تسكن بغداد وتنام بيوت على اكثر من تواطؤ ، كنت اتنقل من شارع الى شارع لاجد نفسي في اخرحدائق قناة الجيش..( الثلاثية). بعد ذلك، تعد هذه الثلاثية سيرة ابداعية لكاتبها ولشخوصها وهي خطاب من أعماقه للآخر، بان ما حدث فيها في الوقت ذاته ،تهمه ايضا وانه وان كان خارجها فهي تبقى لصق جلودنا جميعا. فها هو يصرخ من قرارة اعماقه، وباعلى صوته: " يا سكارى المدينة ، أجيء كالحلم ، أمر على بيوتكم ، وليس لي الا الحب ، أوزعه عليكم ، فلقد أماتني أن أراكم متفرقين ، أماتني أن أراكم كالشياه ، ولقد ملأتم قلبي قيحا ، قتلت نفسي من أجلكم “.

حميد المختار / كاتب من العراق

مازلت اذكر جيداً وجهه الأليف القريب الى نفسي يوم رأيته اول مرة في عرس احد أقربائه في قطاع (33) لمدينة الثورة، كنا مجموعة من الفتيان الممتلئين شيطنة وحركة ومشاغبات، فجأة هبط علينا ذلك الوجه بسحنته المحببة، جمعنا في بوتقته الدافئة والملم ضياعاتنا الاولى في شوارع القهر اخذ يقص علينا حكاية (نيسناس)
المليئة بالشخصيات القردية في مجتمع حيواني مليء بالحكمة والحياة والصور انه عالم بديل عن عالم الانسان وهو في الوقت ذاته يعبر تعبيراً صادقاً عن عمق عوالمنا الداخلية كبشر، بعدها نهض وتركنا مذهولين، قيل لنا انه كاتب يكتب القصص والحكايات اسمه جمعة اللامي وهو قريب للحاج داخل الذي تربطني مع اولاده علاقات حميمة، منذ تلك اللحظة صرت ابحث عنه واتابع اخبار نسانيسه واقرأ كل مايقع بيدي من اوراقه حتى انني اخذت ابحث عن قصة (نسناس) الرواية الحلم حتى عثرت عليها ذات يوم وصارت تشكل احدى ثوابت قراءاتي الروائية، وتمر الايام واذا بي اعرف ان بيت اهل جمعة قريب من بيتنا وفي القطاع ذاته، عرفت مكان البيت وصرت اتخطف من امام الباب، فان كان مفتوحاً ابطأت الحركة وتراخيت امام فرجته المؤدية الى مشهد مألوف وغير بعيد عن البيوتات العراقية أملأ ان المح شكله وهو يجلس يقرأ او يكتب او حتى ينام، لكنني لم اره، بينما كان ابن عمي يجزم ان اباه الحاج كشكول كان كلما يستيقظ فجراً ليؤدي صلاة الصبح يجد جمعة اللامي نائماً عند عتبة داره لانه لم يستطع مواصلة المسير الى اهله حين يعود ثملاً من نادي اتحاد الادباء، فيضطر الى الاستراحة عند عتبة بيت عمي، لكن الاغفاءة تأخذه لينام حتى ساعات الصباح الاولى، فيقوم عمي رحمه الله بايقاظه من نومته الاثيرة واخذه الى بيتهم ليكمل مشوار النوم الطويل، اما انا فلم اره نائماً ابداً،كنت اراه يقظاً عطوفاً قلقاً، مستوخزاً في حركة لاتهدأ، لذلك رأى عمي رغم اعتراضه على سلوكه الغريب وثمالته المستديمة ان يرسلني اليه حاملاً منه رسالة توصية لتعييني في مكان يراه مناسباً لي ولانني والكلام مازال لعمي احمل موهبة في خربشات الكتابة اخذني الرجل من يدي مرحباً باشاً في وجهي بابتسامة اليفة طارداً معها كل غربة وخجل وتلكؤ خصوصاً حين علم بأن الذي ارسلني هو منقذه اليومي الحاج كشكول، وكان اللامي يعمل انذاك في القسم الثقافي باذاعة بغداد وكان يأمل بمنحي فرصة عمل هناك لكنه لم يفلح في ذلك فأصحو على مواصلة البحث حتى وجد فرصة سانحة في القسم الثقافي لمجلة (صوت الطلبة) وبالفعل تسلمت عملي هناك وصارت اتصالاتي به مستمرة سواء في التلفون او بالذهاب الى بيته الخاص مع اخيه صباح وكانت المفاجأة الابداعية حين وقعت في يدي مجموعتة الاولى من قتل حكمت الشامي) الصادرة عن وزارة الاعلام مطلع السبعينيات وكنت حينها في بداياتي الاولى، فانبهرت بها لانها كانت تحمل البذور الاولى للتجريبية العراقية شكلاً ومضموناً، بحيث ان الرجل استطاع بكل جرأة وفرادة - ان جاز لي ذلك ان يتناول يثمات تشكل توابات محرمة على الكاتب العراقي - خصوصاً التراث الشيعي والفكر الشيوعي - وغني عن القول ان الرجل كان نزيلاً في نقرة السلمان التي أوت قيادات القوى السياسية الوطنية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي. كانت امة العراقية الشجاعة بكدها وقوتها تذهب الى صحراء السماوة حيث السجن الرهيب محملة بوصايا الحب وبقايا المؤن والامتعة والملابس الى ابنها السجين السياسي القابع هناك، وقد وفق اللامي كثيراً في توظيف مناخات تلك التجربة المريرة في مجموعته القصصية المهمة (الثلاثيات)، اما مجموعة (من قتل حكمت الشامي) فقد كانت النور الاول الذي اخترق ظلمات السواكن والثوابت السائدة في القصة العراقية ابان الخمسينيات، انه الستيني المتوثب الذي اثار غبار المعارك الابداعية واسس مع رفاقه بناهم التحتية الموغلة في ؟ حداثوية شكلت خطوة اولى محطمة القواطع وفاتحة الافاق الواسعة امام شباب القصة العراقية ليقتحموا الحاصيل ويواصلوا مغامرات الشكل والمعنى والافكار، ولم يكتف عند هذا الحد فقد رافق زملاءه الذين كانوا معه في الكلمة والمنطق والصف فأحمد خلف وجليل القيسي ومحمد خضير وفاضل العزاوي وسركون بولص ومحمد عبد المجيد ليؤسسوا منهجاً جديداً في القصة ويوجهوا دفة السرية الى معالم اخرى وسواحل غريبة، واستمر اللامي في الكتابة حتى وهو يعيش عزلته الصوفية بعد وفاة والدته، فكتب مجموعة (اليشن) وهي الاخرى ارث المتصوفة (العرفانين) الشيء الكبير اضافة الى ترحاله المستمر الى منابع النشأة الاولى وموطن الاجداد ومساقط رؤوسهم هناك في ثرى الجنوب الثر بالارث الانساني النبيل وحكايا القرى التي كثيراً ماشكلت لنا ينابيع الخيال الخلاقة وتواصلت اصدارات اللامي في غربته الطويلة عن بلده ابتداءً من مقامته اللامية وحتى (مجنون زنوبيا) اضافة الى كتب مقالاته السياسية والفكرية التي اعطت للعالم صورة واضحة المعالم لما يحمله هذا المبدع من هم وطني وانساني متأصل في ذاته ومنطلق الى افاقه البعيدة ليعطي بالتالي صورته المثلى للقصة العراقية التي اعادت بهؤلاء المبدعين شبابها لاول ولادتها الجديدة.






مالك سعدونالبصرة –( أصوات العراق)

شهدت قاعة دراسات الخليج العربي في جامعة البصرة اليوم الأربعاء حوارات ساخنة ورؤى متابنة حول السرد العراقي ،ضمن فعاليات اليوم الثاني من (ملتقى السياب) .وشارك في البحوث التي قدمت خلال جلسة اليوم النقاد: فاضل ثامر وعلي حسن الفواز وجبار الحلفي وصادق ناصر الصكر ،فيما شارك في المداخلات والتعقيبات كل من: الدكتور علي عباس علوان والدكتور داوود سلوم والدكتور مالك المطلبي والقاص جاسم عاصي والشاعر جمال الهاشمي وآخرين .وتميزت حوارات اليوم بالجدية والحيوية ،والحرص على تناول مرويات نصية وأنساق سردية..كما تناولت العلاقة بين الزمن والسرد والفعل السردي ،ومناح مختلفة من جغرافية السرد العراقي .وقدم الناقد فاضل ثامر بحثا تحت عنوان (محاولة لصياغة الهوية السردية للمدينة) ، تناول فيه نصي القاصين محمد خضير ( بصرياثا) ومهدي عيسى الصقر (حكاية مدينة) في مقارنة إفتراضية لإعادة خلق وصياغة مدينة متخيلة... ربما تكون ( يوتوبيا) إفتراضية .وقال ثامر في بحثه "ربما تكون هي مدينة محددة ومحسوسة... ولكن من خلال استخدام مجسات وحبكات ومرويات تهدف إلى التغلغل في الزوايا الخفية والحية أساسا من هذه المدينة الفنتازية ،وبشكل خاص محاولة الاقتراب من أناسها ورموزها الثقافية والاجتماعية والتاريخية."وأضاف "وإذا ماكان كل مؤلف من هذين المؤلفين يعتمد أدواته واساليبه ولغاته الخاصة في بناء تضاريس هذه الرقعة الجغرافية – المكانية – الزمانية ،إلا أنهما ودون وعي مقصود يعمدان إلى خلق مايسميه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور ( بالبنية السردية) لهذه المدينة."ومضى ثامر قائلا "والهوية السردية في واقع الأمر جزء من نظرية سردية واسعة طورها( بول ريكر) في كتابه الكبير ( الزمان والسرد) ،وهي لا تتحقق إلا بالتأليف السردي وحده...حيث الفرد والجماعة معا في هويتهما من خلال الإستغراق في السرديات والحكايات التي تصير بالنسبة لهما بمثابة تاريخهما الفعلي ،حيث يصبح الزمن الإنساني هو الزمن الذي يعيد صياغة الهوية السردية."وتابع "وكلاهما لا يخفيان حضورهما السردي ؛ بل يعلنان من خلال الدخول في لعبة السرد عن فعل الكتابة السردية الواعي من قبل راو ضمني... ربما هو الذات الثانية للمؤلف أو قناعه ،فالمدينة تبدو لهما بكرا وكأنها تكتشف للوهلة الاولى... وهو مايمنح الرؤية تجددا وولادة بكرا."واعتبر ثامر أن النصين "غير تقليديين... تتداخل في فضائهما الاجناس الكتابية وغير الكتابية ،ويرتفع فيهما الوعي الذاتي بقصدية الكتابة السردية... وهو فضاء يمكن حسمه أو فهم مشروعيته جزئبا من خلال الاندراج ضمن مغامرة السرد النرجسي الذي اصطلح على تسميته بما وراء السرد أو ( الميتا سرد)."وخلص ثامر قائلا "وهكذا يشرع المؤلفان في نسج هوية سردية خاصة بهذه المدينة المتخيلة بمواد وبنيات ولبنات لسانية وسيميائية ودلالية من خلال حركة الزمن ،لكن دون إنفصال عن الواقع المادي والروحي والثقافي والمعيشي للمدينة وأناسها وتأريخها... وهو نسق زمني يمتد أفقيا وعموديا."وتناول الناقد علي حسن الفواز تجربة القاص جمعة اللامي قائلا "لايمكن تناول الحديث عن القصة العراقية دون الحديث عن اللامي ،الذي خضع للتجارب الحياتية بمدياتها القصوى: السجون ؛ التمرد ؛ إنهيار الايدلوجيا ؛ إنهيار المكان."وأضاف " تمثل القاص كل هذه الوقائع التي تداخلت فيها الكثير من الاتجاهات بريبة ووعي متعال في التجريب الصوري والروائي ،فتحول أبطاله الواقعيون الثوريون إلى أبطال يملكون أقنعة وقدر هائل من الإضطراب."وأردف الفواز قائلا "حيث تحولت آلية القص إلى نوع من التوتر... ونسجت ابطالا تراجيدين يحملون كل إرهاصات الرؤيا الجديدة."وزاد "لا أقول إن ( اللامي) يمثل ظاهرة متفردة... لكنه جزء من ظاهرة الاحتجاج في القصة العراقية التي أطلقها هو ومجايليه ،حيث شكلوا ظاهرة التحديث والخروج على المدرسة الواقعية بكل أشكالها... وهذا ليس بعيدا عن تأثيرات المد الثقافي العربي والعالمي الجديد الذي خلف نوعا من التلاحم الساخن بين التقليدي وبين وعي أكثر سخونة صنع وعيا ثالثا لم تكن له جذور راسخة."وأشار الفواز إلى أنه لذلك فإن كتابات تلك المجموعة ،ومنهم جمعة اللامي " نجد فيها الخروج عن المألوف والتجريب العالي ،حيث كانوا أشبه بمن يلامس الجمر... وربما كانت الخيبة والريبة هما من أنضجا هذا الوعي باكرا ،فقد وجد هؤلاء شقوقا سرية كان يجب أن يدخلوا فيها بما يملكون من تمرد ومغامرة... وانعكس هذا على كتاباتهم ،وربما تطورت بعد الستينيات ،وجمعة اللامي واحد من هذا الجيل الصاخب."وقال الدكتور جبار الحلفي في بحثه بعنوان ( تجليات الهوية العراقية... والتحديث في الرواية العراقية) ،والذي تناول فيه رواية القاص محمد خضير ( كراسة كانون) ومسرحية الكاتب الأسباني بويرو باييخو... فيما أسماه تناصا بين ( كراسة كانون) و(حلم العقل) .وأوضح أن "إقامة علاقات شكلية بين نص ونصوص أخرى ظهرت قبله بسنوات ،لا على هذا الإقتباس في الموضوع أو الإزاحة الشكلية... بقدر ماهو إنعكاس للتراكم المعرفي ،ومن ثم تكريس التجارب العالمية في الادب لموضوع محلي... وهو مايندرج تحت موضوعة تلاقح الثقافات."وأضاف "مثلما كشف بويرو بايخو العلاقة المتأزمة والمتوترة بين المثقف والسلطة المستبدة ،من خلال شخصية الرسام (غويا) الذي رفض كل المغريات من قبل الملك (فرناندو). ورغم إحضاره إلى الملك وحواراته معه ،إلا أن الرسام كان يتغيب ويقدم أعذارا بواسطة الاب (دواسو)... وكانت الضربة التي قطعت العلاقة القسرية بين غويا والملك عندما رفض الرسام أوامر الملك في أن يرسم زوجاته."وأضاف "وتشكل (رواية كانون) مع حلم العقل في موضوعها الأساس... وهو الإستبداد وإضطهاد المثقف ،فكما أبى (غويا) أن يكون رسام العائلة المالكة مع إدراكه لعواقب الرفض... فقد توارى محمد خضير خلف متاريس التأويل والتماهي ،فقدم نصا مفخخا بإزدراءالعنف... معبرا عن القهر بوصفه الموضوع الأساس في الحياة العراقية التي صادرتها السلطة."وخلص الحلفي إلى " تماثل المكان والسلطة ( السياسية) بين رواية ( كراسة كانون)و(حلم العقل) ،فالمكان والسلطة هما محور المادة الروائية في الرواية... كما هو في المسرحية ،فالمكان فضاء المدينة محدد تاريخيا... حيث نشبت الحرب ودمرت المدينة والإنسان."وبعد أن فرغ الباحثون من إلقاء بحوثهم ،اشتعلت الكثير من الحوارات الساخنة... بدأها الناقد علي عباس علوان رئيس جامعة البصرة قائلا "في تقديري أن أدباء أمريكيا اللاتينية ،مثل بورخيس وماركيز ،معظمهم قرأ ( ألف ليلة وليلة) وإندهش من روعة الحكايات الصغيرة داخل الحكاية الكبيرة التي تجري في نسق لولبي آثر وآخاذ."وأضاف "لكني أرى أن الاجانب ينهلون من تراثنا فيطوروه... ونحن لا نحفل بكل هذا."وأشعل الناقد الدكتور مالك المطلبي النقاش حين قال " أرى أن القاعة التي تناقش (علم السرد) قاعة غير محترفة بنسبة عالية" ،موضحا " نحن نزعم أن المؤلف الذي هو مالك تجاربه ونسقه... المالك الكامل للنص ،وهو موجود دائما على حافة النص."وأشار إلى أن التجارب " تتحدث عن نفسها بشكل مباشر دون حساب لغرض محدد."وعن تقييمه لبحث فاضل ثامر ،قال المطلبي "إن الاستاذ فاضل تكلم عن ( اللاهوت البنيوي) أكثر مما تكلم عن محمد خضير."وأضاف " نريد أن ندخل في عالم السرد لا في عالم التنظيرات السردية" ،مشيرا إلى أن بحث الناقد علي حسن الفواز " تحدث عن جمعة اللامي فردا... ولم يتحدث عنه قاصا."ومضى المطلبي قائلا "يجب أن ندخل في منظومة جمعة اللامي القصصية ،وعلينا أن نتكلم في الأنساق... وليس في ماقبل النسق."




جاسم عاصي
النص الروائي عبر تشكلاته واشتباك ثيماته، يتحول الى حاضنة لاستقبال المعاني من نصوص اخرى سابقة، من اجل الاثراء وفقا للتماثل والتطابق، فالنص من هذا الاعتبار ؛ هو ممارسة دلالية يمنحها علم العلامات امتيازاً، لان عملها الذي يتم بواسطته اللقاء بين الفاعل واللغة عمل مثالي، (1) ومثاليته متأتية من خاصية قدرته على الجمع والالتفاف والحيازة وقابلية الاستقبال اعتمادا على ذهنية وبنية قابلة للاثارة والتجاوز للنمطية، سيما حين تكون المعرفة ضاغطة ولامة لجزيئياتها اذ تعمل على تطوير امكانية المقاربة الابستمولوجية وحيازة وحدة المعنى مع معانى متعددة. من هذا يكون النص بممارته هذا الفعل الانتاجي؛ هو نوع من الحجاب، يتوجب على القارئ التوغل بعيدا في اعماق الحجاب وورائه من اجل الوصول الى حقائقه والامساك بالخطاب الواقعي المتخندق فيه. (2) لذا نرى مع الباحث والناقد (ناجح المعموري) في كون فترة غياب الاب النص بسبب تشابك مرجعياته والتوقيع وموت الاب، قد ساهما في بلورة وتعجيل التدخل التناصي بحيث نجد نصا كاملاً متشابكا مع نصوص اخرى.ان الاستعانة الاخرى- وكما عبر عنها (امبرتو ايكو) بالمشي الاستنباطي بين النصوص الاخرى، وهي محاولة استيعاب لهذه النصوص وتمثل معانيها وتوظيفها بحيوية دالة. وهذا ليس معناه وجود حالة عجز في التعبير والاحاطة عبر ذات النص المنتج – بفتح التاء- بل انها نوع من تشابك المعاني وتواردها مما يخلق نوعا من التجانس والتقارب لغرض تحقيق المعنى العام او المركزي، فالاتكاء هنا لا يعني حالة سلبية، وانما هو فعالية للاثراء والاغناء – حسب (لورونجيني)- وهو التحويلات التي يمارسها نص ممركز على ما ينشر داخله من خطابات متعددة، فالنص الادبي يستمد وظيفته من علاقة مزدوجة تشده الى النصوص الاخرى السابقة له والى انساق دلالية.من هذه المنطلقات النقدية نرى ان تعامل رواية (جمعة اللامي) الموسومة بـ (الثلاثية الاولى) مع النص السابق لها؛ كان نوع من تحقيق التماثل مع الموروث، وحصرا كان هذا التماثل مع نص ملحمة (جلجامش). وهذا الضرب من التناص كانت له مبررات موضوعية تتعلق بالجانب السايكولوجي لبطله (عزيز الموسوي) سواء كان هذا المبرر متاتياً من طبيعة النسق الروائي الحامل لحبكة الصراع ونمط التراجيديا متمثلة في الفقدان ام انه متات من حساسية نسق الحياة والارث الذي تحمله الشخصيات وهو ارث سياسي- ابستمولوجي وهي تعاني من تصدع العلاقة مع الوقائع المتسلط مما شكل حاجزاً امام تخطي المفهوم – الفكر- عنها باتجاه صيرورة التبادل المعرفي. وهذا المنتحى من المصادرة قد خلق انماطاً من ردرود الافعال ونعني بها الترددات على الذات بقصد التمرد على الواقع والعمل على اختيار التوجه، سيما منه المنحى التراجيدي الذي يذهب بالشخصيات نحو حافة الموت، سواء كان قرا- الاغتيال- او رغبة – الانتحار- هي في الاساس مدفوعة من قوى ضاغطة، ان فعل التناص في الرواية – حسب قراءتنا- كان استجابة للدلالة السياسية والفكرية التي وجدت شخصيات الرواية انها تمثلت مركز هذه الفعالية الهادفة لمصادرة كينونتها المعرفية والفكرية. ونموذج مثل (عزيز الموسوسي) له القدرة على امتصاص هموم الاخرين واستنبات حالة جديدة؛ هي حاصل تحصيل للطبيعة الاجتماعية والسياسية فيه، وبين هذه النماذج لان العلاقة بينهم لم تمن حسب النق الموضوعي في النص لتهمش هذا على حساب ذاك، وانما كانوا جميعا يعملون على مركزة المفهوم عبر ذهن وحاضنة (الموسوي) الفكرية، وبالتالي الحراك في الحياة وهم كما يبدون انهم يمثلون ظواهر سياسية وليسوا افرادا ذوي نزعات ثورية فحب واعني بهم (خالد الامين وغريب المتروك وكريم البقال). وهؤلاء شكلوا الحراك المركزي المباشر وغير المباشر وساهموا في دفع ذهن السارد او جامع النص الى حالة التماثل مع النصوص الاخرى عبر التناص معها، او ادخالها في حاضنة المنتج. اما الدافع المباشر لهذا التناص، فنراه مجسدا من خلال شخصيتين هما (مريم بنت مطر وتافرة عبد المسيح). فمريم تشكل لدى (عزيز) الذاكرة البدنية التي توحي ببراءة الماضي والنشأة وهي الصوت الذي حدده المكان الجنوبي بيئة الاهوار والبردي والماء وهي النموذج الموقظ لكل كوامن.(الموسوي). اما (سافرة) فانها الصورة التي اختزنت بين اطارها محتوى الحياة والواقع المر، وهي المفتاح الذي يعالج الباب ويوصل الى المحتوى المتوحش والقاسي للزمن الذي صاغ المصائر على الجور والمصادرة والظلم الاجتماعي لان هذين النموذجين بمثابة العلامة الواحدة في حياة (الموسوي) او سواه، ان اشتغال العقل المنتج استطاع ان يبلور هذه الصورة وسواه عبر نص ملحمة (جلجامش) متخذا من النص السابق علامة للضرب على خطل المعاش وانحراف الممارس- بفتح الراء وهي استعارة بلاغية تشد من ازر النص الروائي هذا، والميني على مستويات من العلائق النصية، ذلك باتخاذ بنية كتابة فيها مفارقة كبيرة، وخروج على مألوف السرد التقليدي. وما يهمنا هنا هو ضرب التناص حصراً.ان عملية الاسترجاع والتعاشق بين النص الحالي والنص السابق له تستدعيه حالات كثيرة، لكنها تتمركز في الخروج من ازمة الواقع، وذلك بالتعبير غير المباشر عن مفرداته متخذا من القناع اسلوبا لذلك، فواقع رواية (الثلاثية الاولى) محكوم بمثل هذا النوع من التحوط، سيما انها مكتوبة عن حقبة معقدة وحساسة في تاريخ العراق السياسي، ولانها تتناول في المعالجة نماذج انسانية على درجة كبيرة من تشكل منظومتهم الفكرية، مضافا اليها تجربتهم الزاخرة في الميدان السياسي، فكل واحد منهم- او كما درسنا ذلك في مقال اخر- كان قد خرج من تجربة مريرة باتباع اسلوبه في النضال نسقا سياسياً قاعدته الفكرية تشكل اساساً للأخلاق الاجتماعية والنضالية. ومن تقارب وجهات النظر فيما بينهم وتباعدها او اختلافاتها؛ تجسدت حالة عدم المقاطعة بل التماثل، سيما بين (الموسوي) و (خلوق الملا) على سبيل الاختلاف الفكري وبين بقية الشخصيات، مثل (الامين والغريب والبقال) من منطلق النسق النضالي – الاسلوب- غير ان كل هذا لم يدفع الى التقاطع بقدر ما دفع الى الاقتراب والتحاور وعكس الصورة التاريخية للحقبة من جهة، وسجل خاصية وطبيعة البنى الفكرية لكل واحد او طرف منهم من جهة اخرى. لكن المسالة المركزية في الرواية، هي اشكالية (عزيز الموسوي) الذي شكل مركز النص. فعلاقته بـ (سافرة عبد المسيح) تنم عن شد فكري باعتبارها حالة من الاستلاب والمصادرة، سواء كان لمسيحيتها ام لكونها باحثة عن الحرية في افضل اوجهها، ولانها وضعت في دائرة الاستغلال والاضطهاد الاجتماعي فانها توسطت المنطقة القلقة في المفهوم النفسي، وقلقها دفع الى قلق الامكنة التي تتواجد فيها. فالمكان عندها خالق لكل ما يؤثر على الشخصية من منطق النظرة السلبية للاخرين، لذا فـ (سافرة) بالنسبة الى (الموسوي) تشكل حالة القياس والاثارة يضاف اليها شخصية (مريم) التي اعطت الصورة الاكثر نقاء قياسا لصورة (سافرة). لقد كان حراك هذه الثنائية هو دوران حول المركز المتمثل في (الموسوي) مما بلور ثيمة الرواية في اتساع الرؤيا وتمركزها حول استدراج المعاني من الموروث يضاف الى ذلك ثنائية (الامين والغريب) ودورهما في احياء مثل هذه المعرفة المتمثلة في النص، وتعني هنا استثمار شخصيات فاعلة من ملحمة (جلجامش) لوضع هذه الثنائيات موضع الفاعلية والاغناء وذلك بزيادة وتيرة المعنى والتماثل مع التاريخ والتاريخ الاسطوري.ويمكن الوقوف على مديات التعاشق التناصي- ان صح التعبير- فـ (الموسوي) وبفعل الصراع والخيبات السياسية وشطحات فكره استدعته حالته هذه الى الميل الى الوجد الصوفي اولا، ومن ثم ابراز تأثير الشخصيات هذه عبر تماثلها مع الشخصيات الملحمية، وبهذا يمكن ان نفرز من خلال النسق حراكاً اخر يضاف الى النشاط المتعدد الذي حفلت به الرواية.ان التماثل في المشهد والصورة هو ما لجأ اليه المؤلف لعكس حالة مزيجة من التصوف في خصائص الغائب، متخذا من المرأة ذريعة لبث الوجد. فشخصية (الموسوي) تحاول ان تقرب الصور مع بعضها، وذلك بتقريب اطراف الخيوط التي تربطها، والتي ترتبط من حيث المعاني والتناصات بين ذات النموذج والنموذج الاخر. هذا التماثل هو ما يشيع حالة تسيد الموروث على انه الصورة الاكثر نقاء. وبهذا النقاء المطلق من معرفة الذات ومعرفة الاخر المتماثل معه ينتج لنا ظاهرة اثبات الذات على انها بكل خصائصها مصادرة من قبل قوى قاهرة، بمعنى ان محاولة التناص مع خصائص وافعال الاخر لا يلغي الخصائص الذاتية، بقدر ما يبرزها ويعطيها اولويتها.لقد افادت رواية (الثلاثية الاولى) من الموروث باعتباره محركاً معرفيا استطاع بقوتين - قوته الذاتية الكامنة في كل الموروث، وقوة صوت السارد في النص المنتج- ان يعبر ببلاغة غنية عن الهم الذي يشغل الشخوص من خلال مسرد الرواية. وكان هذا ناتجاً من قوة الفاجعة التي اقتربت عبر نسقها من الملحمة سيما خاصية التراجيديا فموت وفقدان الشخوص كان عامل تصعيد درامي اثارته الرواية، لانها اساسا معنية بسيرة (ديرة حلم العمر) كمكان متخيل وهي صورة (لليشن) مدينة المخيلة الاولى للامي، ذلك انها معنية بسيرة الشخصيات وكل هذا حقق مقاومة او ملحمة جسدت المأساة التي وجد السارد داخل النص والمنتج خارجه، ان التماثل والتناص هما خير طريق للرواية ان تعبر من خلاله عن ادق مرحلة في تاريخ العراق. فكان التعامل مع كل هذا بحساسية الشعر. واعتقد ان جانب اللغة عند (اللامي) يحتاج الى دراسة خاصة لانه عبر شخوصه ورؤيته للمكان والزمان ومسار الحياة، جسد نظرة يتملكها الشعري، اولنقل السرد الشعري لكي نكون اكثر دقة في ذلك. ان حجم المأساة التي جسدتها الرواية هذه، هو حاصل تحصيل لما جسدته مجموعتاه القصصيتان (من قتل حكمة الشامي واليشن) لانهما ايضا سجل امين لتاريخ المدن والنماذج الواقعية التي عايشت الحراك السياسي والاجتماعي انذاك. فكان (اللامي) خير مدون لما عاش مع جمع المثقفين والسياسيين الذين واجهتهم الحياة بقوة وواجهوها بكل حساسية الشعر واتساع الرؤيا.