ذاكرة المستقبل – جمعة اللامي
يا ثأر الله
أدوّم مثل جارح إفتقد الطّير
اهيج ، مزبدا ، مثل ناقة الله قبل عقرها
بي حزن زينب ، ورهافة إبن الأدهم
قلبي قطعة من صنّّين
ودمي كل شعر العرب .
راعدا مثل التكبيرة
ملتاعا مثل الخنساء
عطشا مثل العبّاس
منفيّا مثل صاحب الرّبذة
جوّابا مثل سلمان
غريبا مثل الحسين
منكربا مثل اسماعيل
مبتلى مثل ايوب
مامورا مثل نوح
مخانا مثل يوسف
مغدورا مثل عليّ
مطعونا مثل عمر
مصلوبا مثل الحلاّّج
محاربا مثل ابن ابي بكر
بازا مثل الكيلاني
ركّاضا مثل تابّط شرّا.... ،
وصابرا مثل الضاحية ,.
***
ايّها العرب :
انصبوا الناّموسيّات حمراء وبيضاء وخصراء وسوداء
مثل اعلامكم الوطنية ،
على اطراف بواديكم
وحول ارباض صحاريكم
وفي مخادعكم الزوجية
وعلى ارداف عارضات الازياء الاوروبيات المستضافات على قنواتكم البترودولارية
فالجيش الاسرائيلي قد جاء لتجحيشكم ... !
***
ايّها العرب :
مأبون من يترك بيروت وحيدة
مأفون من ترك بغدلد وحيدة
وخان القدس .
***
بيروت عنوانها ضاحية الله ، وارض عليّ
وأنصارها رجال الله .
ولا مقاتل في جنوب الله ،
الاّ وشرفه الحسين
فمن بشتري وطنه اليوم .. ؟
من يهب جمجمته لله ... ؟
ويتد في الارض قدمه ..؟!
***
من تشتري ، مثل زينب ، رؤوس اخوتها بالصبر،
حلّ عليها فطام رضيعها بسورة الأنفال
***
يالضاحية :
هذه ايّام ثأر الله
الشارقة : 5 حزيران 1982
------------
آخــر تحديــــث 2006-05-11
ذاكرة المستقبل
المُعَلم ...................... جمعة اللامي
وصَفْراءَ لَوْنَ التبْر، مِثْلي جَليدةٌ
على نُوَبِ الأيّامِ والعيشَةِ الضنْك
(رَهينُ المحَبْسَيْن)
“هل ملَلْتَ من سماع تخيّلاتي؟ أما أنا فأحبّ الحديث في هذا. آه لو تعلم مدى حاجة الريف الروسي الى المدرّس الذكي الجيّد المثقف. ينبغي علينا في روسيا ان نحيطه بظروف خاصة، ويجب ان نفعل ذلك بأسرع ما يمكن، اذا كنا ندرك أنه من دون شعب مثقف ثقافة واسعة، ستنهار الدولة كالبيت المشيّد من طوب لم يُحْرق جيدا، فالمدرسُ ينبغي ان يكون فنّاناً، ومصوّراً، متيماً بعمله. اما عندنا فهو عامل يدوي، شخص قليل الثقافة، يمضي الى تعليم الأولاد في الريف بالرغبة نفسها التي قد يمضي بها الى المنفى. إنه جائع، مقهور، خائف من ان يفقد كسْرة الخبز، بينما ينبغي ان يكون في وسعه الاجابة عن كل اسئلة الفلاّح. ينبغي ان يرى فيه الفلاّحون قوّة جديرة بالاهتمام والاحترام، وحتى لا يجرؤ أحد على الصيّاح فيه.. على اذلال كرامته، كما يفعل الجميع لدينا: الشرطي، والبائع الغني، والقس، وشيخ البلد، وراعي المدرسة، ومدير الناحية، وذلك الموظف المسمّى بمفتش المدارس، ولكنه لا يهتم بتحسن الأوضاع التعليمية، بل فقط بالتنفيذ الحرفي لتعليمات المنطقة. إن من الحماقة أن تدفع ملاليم لرجل مدعو لتربية الشعب.. أتفهم؟ تربية الشعب؟ لا يجوز ان نسمح ان يسير هذا الشخص في الأسمال، ويرتعش من البرد في المدارس الرطبة والمتهدمة، وان يختنق بدخان المدافئ السيئة ويصاب بالبرد، وفي الثلاثين من عمره يكون قد اصيب بالتهاب الزور والروماتيزم والسلّ.. عار علينا هذا! ان مدرسنا يعيش ثمانية أو تسعة اشهر في السنة كالراهب المعتزل، لا يجد من يتبادل معه كلمة، انه يتبلد من الوحدة من دون كتب، من دون ما يرفّه به عن نفسه. ولو دعا اليه رفاقه لاتهم بعدم الولاء. هذه الكلمة الغبيّة التي يرهب بها الخبثاء والحمقى، كل هذا كريه.. إنه امتهان لإنسان يؤدي عملا في غاية الأهمية. أتدري.. عندما أرى المدرس أشعر بالحرج منه بسبب وجله، وبسبب ملابسه الرثة. ويخيّل اليّ انني ايضا مذنب بصورة ما في بؤس المدرس هذا.. صحيح!”.
... وصمت، واستغرق في التفكير، ثم اشاح بيده وقال: يا لَهُ من بلد أخرق، “روسيانا هذه!”.
هذا مجتزأ من المقدمة التي كتبها الكاتب الروسي “مكسيم غوركي” سنة ،1904 لأعمال الكاتب العظيم: “انطون تشيخوف”. أما المتحدث المتحمس لحقوق المعلم الروسي، فهو تشيخوف ذاته.
ولو كان انطون تشيخوف ألم باللغة العربية، لختم مرافعته الراقية، بهذا البيت الذي “لأبي العلاء” من قصيدة له عنوانها: “الشمعة”:
فلا تحسبوا دمعي لوَجْدٍ وَجَدْتُه
فقد تدمعُ الأحداقُ من كثْرة الضّحكِ
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
-----------
ذاكرة المستقبل
اشتباكات العشاق ...................... جمعة اللامي
“يا بني: نزهوا أقداركم، وطهروا أحسابكم عن دنس
الوشاة وتمويه سعايتهم فكل جانٍ يده في فيه”
(المأمون بن هرون)
عطف أبو علي الماجدي، صاحب العمر، على ر جل كان يسلقه بلسانه، فقرّبه إليه، وقضى حوائجه، وأمن عياله من غائلات الأيام، والله هو الأمين، المؤمن المهيمن.
حدثني الماجدي، قال: “وذات يوم، كتب إليّ ذلك الرجل رقعة يسعى فيها إلي منك”. انصرف الماجدي الى شغل في نفسه، فتذكرت قولاً بليغاً لعمر الفاروق في هذه الوجوه من البشر، لكني أبقيت القول العمري لنفسي قليلاً.
وما هي إلا لحظات حتى ابتدرني الماجدي: “أتدري، ما كان ردي على الرجل؟”. قلت: “الله تعالى، لا غيره، هو المطلع على السرائر، وما تخفي الأنفس”.
بان الانشراح على محيا صديق العمر، وقال: “كتبت له ما كتبه عمر بن الخطاب في مسألة مشابهة”.
سألت الماجدي: “ارو، رحمك الله، ما كتبه الفاروق”.
قال الماجدي: “يقال: إن رجلاً رفع رقعة الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يسعى فيها ببعض أصحابه، فوقّع فيها: تقربت إلينا بما باعدك عن الرحمن، ولا ثواب لمن آثر عليه”.
قلت: رحم الله عمر.
ولكن ثمة من يضرب الأمثال بهذا الخليفة العربي الراشد، وينسى اخلاق عمر والزمرة الصالحة من العرب والمسلمين، وقبل ذلك لا يطيع الله رب محمد وعمر، وسيد أسياد خير من في الدنيا والآخرة.
وصاحبي الماجدي وأمثاله، يفعلون الخير لأنه من خصالهم الفطرية، وهم لا يرجون من وراء ذلك شكراناً ابداً. وحتى لو أن أحداً طعنهم من خلف ظهورهم، فإنهم يظلون على طريق الخير والمحبة وتسهيل ما هو صعب. وقديماً قال بعض الحكماء: “المعروف الى الكرام يعقب خيراً، والمعروف الى اللئام يعقب شراً. ومثلُ ذلك مثل المطر الذي يشرب منه الصدف فيعقب لؤلؤاً، وتشرب منه الأفاعي فتعقب سماً”.
ولقد تلقيت قبل خمسة أيام رسالة على تليفوني المتحرك من حرة عربية، فتأخرت بضعة أيام في الرد عليها، وحدث أن أردت الرد عليها في ساعة مبكرة من صباح أمس، فقالت ابنتي: “تريث، أبي، الناس نيام، ومن الأحسن مخاطبة الناس وهم على صحو”.
قلت للفتاة النابهة: “يفديك أبوك”.
قالت الفتاة: “خير الاشتباكات ما كان في طلب رضا الله، ولو سخط عليك ملوك الدنيا، فإن سخطهم سيرتد عليهم”.
وبقيت مشتبكاً مع نفسي، مردداً قول أحدهم: “اعشقوا فإن العشق يطلق لسان البليد، ويسخي البخيل، ويشجّع الجبان”.
جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
sharjah_misan@yahoo.com
------------
ذاكرة المستقبل
الدّواء الدّاء ............................ جمعة اللامي
“الغزواتُ الوحيدة التي تدوم، ولا تخلق لنا الأسف، غزوات نقهرُ بها أنفسنا”
(بونابرت)
قال غريب المتروك: “أنت مدعو عندي على كأس شاي “كَركْ” في مطعم “جيتناد” وسوف أعرّفك على صديقي: “ساكثيفيل”.
قبلتُ. وبعد نحو ساعتين، وبين شوارع مدينة تنمو بسرعة، ووسط أقوام شتى، أوقف سيارته الصغيرة أمام مطعم هندي بالمنطقة الصناعية، وقال: “تفضل، وصلنا الى مبتغانا”.
مبتغاي كان أن أتحدث له عن معاناتي في الحصول على قائمة بأسماء أدوية تصنّع في أوروبا، لعلاج أمراض: السكر، ضغط الدم، ضغط قاع العينين، زيادة نسبة الدهون في الدم، تضخم البروستاتا، تصلب الشرايين والأوردة، وثمة أيضاً هذا الانخطاف السريع في قلبي، حين أرى أبدع مخلوقات الله طرّاً: المرأة.
قال المتروك: “هذا صديقي، “ساكثيفيل” الذي حدّثتك عنه”. أدرت عيني اليمنى الى اليمين قليلاً، فرأيت شاباً نحيلاً أسمر اللون، طاعن السمرة، يقف على يميني، مبتسماً ويقول: “أهلاً أرباب”.
سعل النادل، فعرفت أن “شيئاً ما” في صدره. قال غريب المتروك: “لا تخف، هؤلاء الهنود، الشيب والشبان، يحصلون على علاجهم وأدويتهم بثمن بخس، دراهم معدودات”.
يوجد بيننا، نحن العرب، من لا يتسوّق من “الجمعية التعاونية”، فالزيت يأتي من الضيعة، ومعه الزعتر والمخللات والزيتون والجبن، وغيرها. ويقول جاري السوري الذي من “جبل العرب”: “كل هذا من أجل أن أدّخر لأمرين: تأمين نقود الدواء، وعدم نسيان قسطي الشهري المسحوب على مرتبي الشهري، لاستكمال ديون كانت تعويضاً عن قطعة أرض اشتريتها في مسقط رؤوس الآباء والأجداد”.
قال غريب المتروك بينما كان يتناول شاي “الكَرك” الهندي: “إنه شاي ريفي، يشبه الشاي العراقي، أو رديفه المصري. ما عليك سوى طبخ منقوع أوراق الشاي الأسود لمدة ثلاث دقائق، ثم تحصل على شراب يعدل الرأس ويكيّف المزاج”.
عرفت من المتروك، أن مرتب الشاب الهندي مائة وخمسون دولاراً. وقال جاري السوري: “مستورة والحمد لله، هي فقط خمسمائة دولار”.
كان غريب المتروك قد قال لي: “سوف يدلك “ساكثيفيل” على طبيب هندي، وسيحضر لك الأدوية التي تريد من الهند مباشرة، أو من متجولين هنود، لديهم كل ما تشتهي”.
ثم قال: “صيدليات بشرية متنقلة”.
ضحكت لطرفته، وحزنت أيضاً لأنني لا أريد أن أشجع على التهريب، لأنني أعرف أنني أقوم بواجباتي كافة، بدءاً من دفع إيجار الشقة في موعده، وليس انتهاء بدفع قيمة ضريبة الزبالة.
ولكن من يعين العامل على العلاج؟
جمعة اللامي
sharjah_misan@yahoo.com
------------
ذاكرة المستقبا / جمعة اللامي
الاربعاء : 5 /12 / 2007
*****
من روضة " ديوان الكتاب "
الكتاب اذ ينطق
“أحييك يا ابن روحي، وابن الماء، يا عزيزي،
يا ابن صفحة الماء التي تفرّق بين الناس.
أنت، يا من تشبه كل أمنياتي ولكن ضعفك جعلك مصانا”
(بول فاليري)
منذ ربع قرن، تعودنا أن نكتب كلمات احتفالية، لكنها صادقة في مثل هذا اليوم، حيث نستقبل الصباح الجديد، كما كنا أطفالا نستقبل عيداً.
والحق، نحن أمام الكتاب، وعن يمينه وعن شماله، أطفال، نتعلم، ونعلم، ونشقى ونتعب ونكد، خصوصاً عندما يستقبل بعضنا، الذين لا يعرفون كدّ الأديب، وتعب الكاتب.
سيدنا عمر بن عبدالعزيز، رحمة الله عليه، عرف قيمة الكتاب، فكان أميناً لنفسه، شديداً معها، حاسماً مع قومه الأقربين، ثم إنه - وهذا شأن عال عنده - رفع الظلم عن العترة الطاهرة.
وهذه تجليات من تأدبه بالكتاب. كتاب الله العزيز، وكتاب الكون، وكتاب نفسه، وكتب العلماء الذين جايلوه، أو عاصروه، أو كانوا من الغابرين.
ولا يحترم الكتاب والعلم إلا مجاهد فضيل، وقطب سديد الرأي، ومصباح ينير الدجى.
وبعبارة تأويلية، كان عمر بن عبدالعزيز، مصباحاً، وإذا كان ثمة من لا يعرف حكاية مصباحيه، فليذهب منذ يومنا هذا، حيث الدورة السادسة والعشرون لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، ويسأل الوراقين عن حكاية ذلك الأموي القدير مع مصباحيه.
أنا، من بين جمهور غفير، عرفت بحكاية مصباحي سيدنا ابن عبدالعزيز، بعدما آليت على نفسي أن اقرأ ما أستطيع حول هذا الرجل العربي المسلم.
ولا أتصور رجلا يقول انه عربي ومسلم، ولا يتأدب بقول رب العزة: “اقرأ”.
ويا سعد من تأدب بالقراءة، كما أدب ربنا تعالى نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان قرآنا يمشي في الأسواق، كما تقول أمنا عائشة، رضوان الله عنها.
ولقد سمعت بقصة تشبه حكاية مصباحي سيدنا عمر بن عبدالعزيز، خطها أمامي صديق العمر أبوعلي حسن الماجدي عندما زرته في نهاية اليوم الأخير، من السنة الخامسة والعشرين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، العام السابق.
دخلت عليه حجرته فوجدته يكتب شيئا على قرطاس، فأعجبني الحبر الذي يستخدمه في الكتابة، فطلبت منه قطرات، فمد كفه اليمنى الشريفة الى محبرة أخرى، وقال “خذ من هذه الدواة”.
“لمَ” سألته. أجاب: تلك الدواة الأولى بها حبر حكومي، أستخدمه لأغراض الحكومة، والدواة الأخرى ثمنها من راتبي.
جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
sharjah_misan@yahoo.com
الاربعاء : 5 /12 / 2007
*****
من روضة " ديوان الكتاب "
الكتاب اذ ينطق
“أحييك يا ابن روحي، وابن الماء، يا عزيزي،
يا ابن صفحة الماء التي تفرّق بين الناس.
أنت، يا من تشبه كل أمنياتي ولكن ضعفك جعلك مصانا”
(بول فاليري)
منذ ربع قرن، تعودنا أن نكتب كلمات احتفالية، لكنها صادقة في مثل هذا اليوم، حيث نستقبل الصباح الجديد، كما كنا أطفالا نستقبل عيداً.
والحق، نحن أمام الكتاب، وعن يمينه وعن شماله، أطفال، نتعلم، ونعلم، ونشقى ونتعب ونكد، خصوصاً عندما يستقبل بعضنا، الذين لا يعرفون كدّ الأديب، وتعب الكاتب.
سيدنا عمر بن عبدالعزيز، رحمة الله عليه، عرف قيمة الكتاب، فكان أميناً لنفسه، شديداً معها، حاسماً مع قومه الأقربين، ثم إنه - وهذا شأن عال عنده - رفع الظلم عن العترة الطاهرة.
وهذه تجليات من تأدبه بالكتاب. كتاب الله العزيز، وكتاب الكون، وكتاب نفسه، وكتب العلماء الذين جايلوه، أو عاصروه، أو كانوا من الغابرين.
ولا يحترم الكتاب والعلم إلا مجاهد فضيل، وقطب سديد الرأي، ومصباح ينير الدجى.
وبعبارة تأويلية، كان عمر بن عبدالعزيز، مصباحاً، وإذا كان ثمة من لا يعرف حكاية مصباحيه، فليذهب منذ يومنا هذا، حيث الدورة السادسة والعشرون لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، ويسأل الوراقين عن حكاية ذلك الأموي القدير مع مصباحيه.
أنا، من بين جمهور غفير، عرفت بحكاية مصباحي سيدنا ابن عبدالعزيز، بعدما آليت على نفسي أن اقرأ ما أستطيع حول هذا الرجل العربي المسلم.
ولا أتصور رجلا يقول انه عربي ومسلم، ولا يتأدب بقول رب العزة: “اقرأ”.
ويا سعد من تأدب بالقراءة، كما أدب ربنا تعالى نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان قرآنا يمشي في الأسواق، كما تقول أمنا عائشة، رضوان الله عنها.
ولقد سمعت بقصة تشبه حكاية مصباحي سيدنا عمر بن عبدالعزيز، خطها أمامي صديق العمر أبوعلي حسن الماجدي عندما زرته في نهاية اليوم الأخير، من السنة الخامسة والعشرين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، العام السابق.
دخلت عليه حجرته فوجدته يكتب شيئا على قرطاس، فأعجبني الحبر الذي يستخدمه في الكتابة، فطلبت منه قطرات، فمد كفه اليمنى الشريفة الى محبرة أخرى، وقال “خذ من هذه الدواة”.
“لمَ” سألته. أجاب: تلك الدواة الأولى بها حبر حكومي، أستخدمه لأغراض الحكومة، والدواة الأخرى ثمنها من راتبي.
جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
sharjah_misan@yahoo.com
--------------------
2007-05-12
السبت
ذاكرة المستقبل
المأمون والعَبّاس .......................... جمعة اللامي
“جذور التربية مُرة، وثمارُها لذيذة”
(ارسطو)
رأيتُ أمارات ألم في وجه غريب المتروك، فقلت لنفسي: “هذا صاحبكَ به كدر شديد، فَسَر عنهُ بحكاية من الزمن القديم، لعل نفسه تطيب، وباله يرتاح، وخاطره يهدأ”.
لكن حركة من كف صاحبي اليمنى، اعلمتني انه يريد مني الذهاب الى صديقنا الماجدي. فولينا وجهينا شطر مزرعة الماجدي، بين الجبل والساحل، عند تلك “البقجة” التي لم يتفيّأ بمثلها “المتوكل”.
وكان “المتوكل” الخليفة العباسي المشهور بالبذخ والقصف ومجالس الشراب واللهو، يجلس الى نفسه ساعات وساعات بين أشجار تلك المزرعة وأطيارها وتماثيلها وورودها، وليس معه إلا الخاصة ندمائه وقيانه وغلمانه.
وكان المتوكل قد أمر أن يجري الزعفران من أفواه تماثيل الأسود والطيور والسباع، الى البحيرة الصغيرة التي يجلس عند حافاتها، حتى كان يوم خلت فيه أسواق بغداد من الزعفران، فتفكر حاجبه بحيلة، وهي أن وضع حبراً أخضر بالماء، فظنه المتوكل زعفراناً.
تبسم صاحبنا الماجدي، حيث كان يستمع إليّ، وأنا أروي بين يديه حكاية البَطَر العربية تلك، وقال: “ماذا وراء غريب المتروك؟” فرد صاحبي: “أريد أن أقول بين يديك حكاية المأمون والعباس والمرأة العربية”.
قال الماجدي: تكلم، رعاك الله.
جلس المأمون، قال المتروك، للنظر في شؤون الناس، فدخلت امرأة كانت تظلمت عنده أمس، فسلمت فردّ عليها المأمون السلام، وقال: أين الخصم، رحمك الله؟ قالت: هو واقف على رأسك، وقد حيل بيني وبينه. وأومأت الى العباس ابنه. فقال: يا أحمد بن أبي خالد، خذ بيده وأقعده معها. قال: ففعل ذلك، فجعلت تعلو على العباس بصوتها وتقول: ظلمتني، واعتديت عليّ، وأخذت ضيعتي. فقال لها أحمد: ما هذا الصياح، انك بين يدي أمير المؤمنين، تناظرين الأمير. فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه. فلم يزالا يتناظران حتى حكم المأمون لها برد ضيعتها، ثم قال: “يا أحمد، أرْدُدْ عليها ما جباه العباس من ضيعتها، وادفع إليها عشرة آلاف درهم ترمّ بها ما أراه من سوء حالها، وأكتب الى والينا وقاضينا بإرفاقها والنظر في أمرها”.
أما أحمد بن أبي خالد، فهو وزير المأمون.
والوزير من إمامه،
ومن أجل عين ألف عين تُكْرم.
جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
sharjah_misan@yahoo.com
----------------------
ذاكرة المستقبل
منزلة ما فوق الشكر ............................ جمعة اللامي
إذا أثنى عليك المرء يوماً
كفاه من تعرضه الثناء
(أمية بن أبي الصلت)
ما أشبه الليلة بالبارحة، وكل اناء بالذي فيه ينضح. وعلى نفسها جنت براقش. حياء الرجل في غير موضعه ضعف. ليس للرحمة معنى إلا العدل. ليس للقسوة إلا الظلم. اللسان سيف مرهف لا ينبو حده، والكلام سهم مرسل لا يمكن رده.
هكذا قالت العرب في أمثالها.
وقالت العرب أيضا: لا تستر على الشر.
وجاء في قولهم كذلك: لا يكون العمران، حيث لا يعدل السلطان، وقالوا: الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلل عقلك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك.
وقال أحد العارفين: البلاء سراج العارفين، ويقظة المريدين، وصلاح المؤمنين، وهلاك الغافلين، ولا يجد أحد حلاوة حتى يأتيه البلاء، فيرضى ويصبر.
وقال الحكيم العربي: من أراد الغنى بغير مال، والكثرة بلا عشيرة، فليتحول من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وأبى الله ان يذل إلا من عصاه.
وهذا بعض من نزهة قلب العارف، وقبس من نزهة المشتاق إلى الحكمة، المتوسل طريق قلبه إلى أهل الخلق والمروءة، والقابض على الجمر في أسواق العوام.
وهؤلاء غير مضاحيك الألقاب.
والفرقة الأولى يكون سيد القوم فيهم خادمهم، وعتابهم صابون القلوب. وحتى غضبهم فيه خير عميم، لأنه مثل غضب العشاق الذي هو مثل مطر الربيع.
أما الذي يتكل على غير زاده، فقد يطول جوعه.
وعنوانه المضاحيك الأفخم من رضي باحتلال بلده، وسكت عن هتك حرائر وطنه، ورضي بالسحت الحرام.
وسألني أحدهم: اكتب لي دعاء؟ فقلت: هو ذاك الذي ناجى أحدهم به ربه: “اللهم لا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا أستغفرك”.
وهذا هو عنوان مشهد الرضا.
والمضاحيك هم الجهال الذين عناهم الشاعر:
إذا الكلب لا يؤذيك إلا نباحه
فدعه إلى يوم القيامة ينبح
والأحمق “هبنقة” عاقل بين هؤلاء المضاحيك. ولا أحمق منه إلا دغة، تلك الجارية التي اسمها: “مارية بنت مغنج” التي تزوجت صغيرة، فلما جاءها المخاض “ظنت انها تريد الخلاء” وحكايتها معروفة عند الذين يتابعون فكاهات المضاحيك.
وللمضاحيك ألقاب وعناوين، وشنة ورنة، وزفة وهوجة، وسرادقات وهوادج. وهذا هو وجه من شغلته الدنيا، وحسم من اتبع هواه حتى نسي نفسه، بعدما نسي الله.
فأين المضاحيك من قول سقراط الحكيم: “ليس العاطل من لا يؤدي عملاً فقط، العاطل من يؤدي عملاً في وسعه أن يؤدي أفضل منه”.
جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
sharjah_misan@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق